جذور

أسماك الخليج في كتابين إنجليزيين قديمين

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ فترة طويلة، نشرنا على صفحات «البيان»، مقالاً حول صيد الأسماك في وثيقة بريطانية قديمة، تعود لعامَي 1880 و1881، هي في الأصل ملحق لتقرير شامل.

كان يتحدّث عن إدارة المقيميَّة السياسيَّة في الخليج العربي، والوكالة السياسيَّة في مسقط لسنة 1880-1881م (Notes on Sea-Fishing in the Gulf)، نشرتْه السلطة البريطانيَّة في مطبعة وزارة الخارجيَّة في «كُلْكَتا» بالهند.

وهذا التقرير، ضمن تقارير مرسلة إلى حكومة الهند البريطانيَّة، من المُقدَّم (إدوارد تشارلز روس)، المقيم السياسي في الخليج العربي، والتقرير مسبوق بنسخة من رسالة أرسلها (روس)، إلى السير (ألفريد كومين ليال)، سكرتير حكومة الهند، بتاريخ 14 يوليو 1881 م.

مُعِدَّا التقرير

الأول: هو المُقدَّم (إدوارد تشارلز روس) (Lt. Col. Edward Charles Ross)، (المتوفّى في 13 فبراير 1913)، المقيم السياسي في الخليج في مدينة بوشهر بين عامَي 1872 و1891. والثاني: هو السير (ألفريد كومين ليال) (Alfred Comyn Lyall)، المؤرِّخ والسياسي والأديب البريطاني الشهير، سكرتير حكومة الهند البريطانيَّة، المتوفّى في 11 أبريل 1911.

كاتب الملحق

المقدّم آي مكالفور (I. MacIvor)، مساعد المقيم السياسي في الخليج، وعنوان الملحق هو: «ملاحظات عن صيد الأسماك في منطقة الخليج»، وذكرنا حينها أنّ هذا الملحق، هو من أجمل وأهم ما كُتب عن منطقة الإمارات وبلدان الخليج العربي، في ما يتعلَّق بصيد الأسماك، وطرق الصيد، وأماكن الصيد، وسفن الصيد، وأنواع الأسماك، ووسائل الصيد.

وأشرنا أيضاً إلى أنّ هذا التقرير، هو أقدم مصدر مكتوب عن أسماء الأسماك في الإمارات ومنطقة الخليج، وأسماء السفن، وطرق الصيد القديمة، التي ظلّتْ مُتَوَارَثة عَبر الأجيال. وقد نشرنا هذا المقال، ضمن كتابنا: مقالات في تاريخ الخليج والإمارات، الصادر عن هيئة الشارقة للوثائق والأرشيف، هذا العام، موثّقاً، ومزوّداً بالمصادر.

أوراق وإشارات

ومنذ ذلك التاريخ، لم تمرّ عليّ دراسة مشابهة، ومتكاملة عن الموضوع نفسه، سوى ما أعدّه كلّ من الباحثيْن: H. Blegvad وB. Løppenthin، حول أسماك الخليج عام 1944. وتبع ذلك بعض الأوراق والإشارات السريعة إلى الموضوع نفسه في دراسات متفرّقة، وغير متعمّقة.

دراسات وبحوث

ممّا لا شكّ فيه، فإنّ تتبّع الوضع البيئي، وما يجري عليه من تطوّرات، له علاقة مباشرة بالحالة الاقتصاديّة والحياة الاجتماعيّة في المنطقة، لأنّ قوام حياة أهل الخليج، تعتمد بالدرجة الرئيسة على صيد الأسماك، بعد كساد تجارة اللؤلؤ الطبيعي. وكنّا قد أشرنا في مقالنا السالف الذِّكر، إلى أنّ ازدهار صيد الأسماك، كان يتزامن مع ازدهار مهنة الغوص..

فكانا بالتالي الرافديْن الرئيسين للحياة والمعيشة لسكّان الخليج، وظلّا كذلك طوال قرون من الزمان، ثمّ انفرد صيد الأسماك، بعد انحسار مهنة الغوص، ثمّ تلاشيها إلى الأبد بطرقها القديمة. ومع اكتشاف النّفط في بلدان الخليج العربية تباعاً، ثمّ ازدهار الحياة الاقتصاديّة بسببه، إلا أنّ مهنة صيد الأسماك ظلّت مصدراً لا غنى عنه للدخل القومي والفردي.

ويفيد تتبّع التقارير التي صدرت منذ عام 1880، إلى سبعينيات القرن العشرين، في معرفة أنواع الأسماك السائدة في مياه الخليج منذ القِدم، وما انقرض منها، وما بقي منها، وما ظلّ مهدَّداً بالانقراض، وما أثّر فيها من تغيّرات بيئيّة بحريّة، نتيجة التطوّرات الصناعيّة المعاصرة، والتغيّرات في موازين الكيمياء، والمخلّفات السامّة، والتلوّث البيئي، الذي أدّى إلى شحّ في نوعيّات من الأسماك. وحتى الآن، حينما يذهب الواحد منّا إلى السوق، نادراً ما يجد نوعيّات من الأسماك كانت أكثر انتشاراً وأكثر حضوراً في الأسواق، مما هي عليه الآن. ويجد في الوقت نفسه نوعيّات لم تكن في الأصل موجودة، إلا أنّها رُبّيت في مواضع خاصّة من مياه الخليج، ثمّ انتشر أكلها بين النّاس.

التقرير الأول

أعدّ هذا التقرير المفصّل، باحثان في الحياة البحريّة هما:. A. W. White وM. A. Barwani، وقد تخيّرا عنواناً لهذه الدراسة، هو:

A survey of the Trucial States fisheries resource with reference to the Sultanate of Oman 1969/‏‏‏1971

وهو من إصدارات مكتب التطوير. وفي الشكر والتقدير، فإنّ المؤلِّفيْن يخصّان بالشّكر والتنويه، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، على دعمه الماديّ لطباعة الكتاب ونشره، كما يوجّهان شكرهما للمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (رحمه الله)، وإلى حكّام الإمارات، على دعمهم هذا المشروع، من خلال مجلسهم الموقّر، كما يشكران آخرين من المسؤولين في أمانة وسكرتارية مجلس الحكّام.

ويشير المؤلِّفان إلى أنّ المسح الميداني، قد تمّ بالتعاون بين شركة صيد الأسماك في سياتل بالولايات المتحدة، التي قدّمت القبطان فرانك هوكداي (Frank Hockaday)، لقيادة السفينة ماجد، التي قامت بالمسح الميداني، بمن فيها من باحثين بإشراف المؤلِّفيْن.

خرائط وجداول

ويستفتح الكتاب بخريطتين، الأولى لإمارات الساحل، والثانية للخليج العربي وبحر عمان. ويقع التقرير في 140 صفحة. وهو مليء بالخرائط والرسومات التفصيليّة، والجداول الفريدة والإحصاءات الدّالّة على دقّة في العمل والإعداد، وفيه قائمة للمحتويات.

ومن الملاحظ أنّ هذا التقرير المفصّل، أُعدّ بعناية ودقّة متناهية، تدلّ على خبرة هائلة للباحثيْن، تنمّ أيضاً عن مهارة في إعداد الدراسات الميدانية، والمسح الميداني، الذي يتطلّب جهوداً كبيرة من الحركة والعمل والتنقّل والسفر البحري، والتجوّل على السواحل، والتواصل مع النّاس، ومراقبة أسواق الأسماك، ومعرفة قيمتها الاقتصاديّة. ولا أدري أين وصل هذا التقرير بعد إعداده وتجهيزه؟

وهل أُخذت التوصيات المدرجة في بعين الاعتبار أم لا؟ وبغضّ النّظر عن حصول ذلك، إلا أنّ هذا التقرير الفريد، هو تأريخ وتوثيق وتسجيل للوضع البيئي والساحلي والبحري والاقتصادي لإمارات الساحل، في فترة ما قبل الاتحاد.

ويستهلّ الكتاب الحديث عن الخليج العربي، ابتداء من شماله عند الحدود الجنوبيّة للعراق، إلى جنوبه عند مضيق هرمز. وفيه وصف موجز لأعماق الخليج، وأبعاده وسواحله. ومن غرائب الإشارات، قولهما بأنّ مياه الخليج العربي تعدّ من أكثر مياه البحار ملوحة. كما تبع ذلك حديث مشابه عن خليج عمان، وعقد الكاتبان مقارنة بين الخليجين، من حيث الأعماق، والملوحة، والانفتاح على المحيط الهندي.

ومن محاسن التقرير أيضاً، الوصف الجغرافي والبيئي والملاحي لموانئ ساحل الإمارات، بدءاً من أبوظبي ودبي، وانتهاء برأس الخيمة، بالإضافة إلى مسندم، ثمّ موانئ دبا وخورفكّان والفجيرة وكلباء. وهو وصف يتحدّث عن أوضاع تلك الموانئ عام 1969.

ويرفق ذلك بخارطة تفصيليّة رائعة، حول أعماق المياه حول موانئ الإمارات وسلطنة عمان إلى صلالة. ومن أجمل ما رأيت في هذا التقرير الفريد، هبوب الرياح طوال 12 شهراً من شهور العام، ولكلّ منها خارطة تدلّ على اتجاهات هبوب الرياح. بالإضافة إلى درجات مياه الخليج طوال تلك الشهور، مرفقاً باثنتي عشرة خارطة فريدة حول درجات الحرارة في كلّ شهر.

طباعة Email