التراث الإماراتي.. حكايات ثرية لم تكتشف الدراما جواهرها الثمينة

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

نحو نصف قرن أو أقل قليلاً هو عمر الدراما التلفزيونية الإماراتية، عبره استطاعت أن تقف على قدميها، منتصرة في مضامينها لقضايا الوطن، إذ تمكنت عبر سنوات العمر من صقل تجربتها وتقوية عودها وأدواتها المختلفة، طارحة على موائدها قضايا المجتمع، عبر ملامسة واقعه، كما نجحت في مواكبة تطور الدولة، ودخولها معترك الحداثة، وبرغم ذلك لم تغض الدراما المحلية طرفها عن التراث، الذي فصلت من حكاياته ثوباً ترتديه وتقدمه إلى المتلقي بضيغ شيقة متقنة. ويبقى السؤال الأساسي في الصدد: هل استطاعت هذه الدراما قضايا التراث وشجونه ومفرداته وتقدمه بصيغ شيقة تضيء قيمته وجمالياته". "البيان" تناقش هذه القضية في التحقيق التالي، من خلال آراء مجموعة من الفنانين والمعنيين.

«دروب المطايا» ومن قبله «الغوص» و«اشحفان القطو» و«جمرة غضى» و«القياضة» وغيرها، أعمال درامية تلفزيونية استطاعت أن تسكن في ذاكرة المتلقي، وأن تنهل من ينبوع التراث المحلي، وبرغم المساحة التي احتلتها هذه الأعمال في المكتبة الدرامية المحلية وما قدمته من تجارب، إلا أن الدراما الإماراتية التلفزيونية لم تقترب كثيراً من بحر التراث، ولم تعتد الغوص فيه كثيراً، وهو ما تفوقت فيه البرامج التلفزيونية التي ذهبت نحو مستويات أعمق في التراث المحلي، وهو ما اتفق عليه عدد من العاملين في الدراما في حديثهم مع «البيان»، ليشيروا إلى أهمية «الدراما التراثية» وتأثيرها في المجتمع، مؤكدين في الوقت ذاته أن حكايات التراث لم تشكل العمود الفقري للدراما المحلية، داعين إلى ضرورة الاهتمام بها، بوصفها وثيقة مصورة، يمكن للأجيال القادمة الاستناد إليها والاستفادة منها في التوثيق لـ «زمن الطيبين»، الذين اتكأوا على البحر كمصدر رزق لهم، ومن خلالها يمكن تنسم رائحة الماضي والعودة للعيش بين السكك الضيقة.

«الدراما التلفزيونية الإماراتية لم تتمكن حتى الآن من الغوص عميقاً في التراث سواء أكان المحلي أم العربي أم الإسلامي، بحيث يكون التراث هو المصدر الرئيسي أو العمود الفقري للعمل»، بهذا التعبير آثر عمر غباش، مستشار شؤون الدراما والإنتاج في مؤسسة دبي للإعلام، أن يبدأ مداخلته، قائلاً: «لا يمكن نكران الجهود التي قدمت سابقاً في هذا المجال، ولكن يمكن القول إن كل المحاولات التي قدمت كانت عبارة عن أعمال تعتمد على مخيلة المؤلف فقط، ولا تعتمد على النبش والبحث والتقصي الحقيقي في التراث»، قائلاً: «لم يسبق خلال السنوات الماضية أن قُدم عمل درامي محلي تم تأسيسه على جوانب بحثية في التراث، بالشكل الذي يطمح إليه الناقد الفني، والمتخصص أو حتى شريحة الجمهور المهتمة بهذا الجانب، وما قُدم سابقاً ما هو إلا عبارة عن محاولات فنية تعتمد على مخيلة الكاتب وجهود شخصية من المخرجين والممثلين»، مضيفاً إن «البرامج التلفزيونية كانت أكثر اهتماماً بهذا الجانب واستطاعت أن تتولى عملية التعريف بالتراث وتقديمه إلى الجمهور بصوره المختلفة».

مؤكداً في الوقت نفسه عدم وجود تناول حقيقي للتراث من قبل الدراما، قائلاً: «ما تم تناوله فيه تكرار لبعض المشاهد، وللأسف ساهم ذلك في إعطاء المتلقي فكرة غير صحية عن التراث». ويعتقد غباش أن التراث المحلي يفيض بالحكايات والأفكار التي يمكن أن يتم تقديمها، بحسب تعبيره، بشكل صحيح وحقيقي ومدروس، فيه الكثير من الدراية والبحث، ويقول: «هناك الكثير من العناصر الموجودة في التراث لم يتم تناولها بالطريقة المناسبة، ولم تقدم بشكل حقيقي على الشاشة»، ضارباً في «الغوص ورحلة البحث عن اللؤلؤ» مثالاً، وقال: «في هذا الجانب فقط هناك الكثير من القصص والحكايات التي يمكن كتابتها وتناولها بالاستناد إلى الذاكرة الموروثة عن الأجداد، والكثير منها تم توثيقه بالفعل، وهو ما يعني تقديم معلومة صحيحة تماماً عن التراث، ولا تسيء الفهم له».

ظروف إنسانية

تجارب كثيرة قدمها الفنان أحمد الجسمي في الدراما الإماراتية، منحته مكانة عالية فيها، وفي سياق الحديث عن الدراما التلفزيونية والتراث، يؤكد الجسمي أن «التراث يمثل العمود الفقري لأي حكاية»، قائلاً: «لدي إيمان بأن التراث مليء بالحكايات التي يمكن استلهامها، وإسقاطها على الحاضر الذي ترتبط قضاياه بالحداثة والعصرنة، وبلا شك أن الماضي له حكاياته الخاصة التي تحمل بين ثناياها كل الظروف الإنسانية، ولكن الاختلاف بين الماضي والحاضر، ربما يكمن في البساطة، وكذلك الألفة والأخلاق والدين والعادات والتقاليد، التي كانت سابقاً تحكمنا وتحكم علاقات الأسرة والفريج ومن ثم المجتمع».

ما الذي نريده من الماضي والتراث؟ سؤال طرحه الجسمي أثناء حديثه، ليجيب عنه، بالقول: «ما نستحضره من الماضي، هو ما نفتقده في حياتنا الحالية، لا سيما في عناصر الأخلاق والترابط والعادات والتقاليد، لأن معظم هذه الأصول مرتبطة بالماضي، في حين أن الحاضر تداخلت فيه حالات التمدن، وفقدنا الكثير من الأشياء والعناصر المهمة، وأعتقد أن الدراما الإماراتية استطاعت أن تظهر الجمال الأخلاقي والاجتماعي، من خلال توسدها للتراث». في المقابل، يؤمن الجسمي بأن أي عمل درامي، بغض الطرف عن نوعيته يجب أن يقدم بشكل احترافي. وقال: «الدراما يجب أن تقدم بشكل احترافي، لا سيما في هذا الوقت الذي بات فيه العالم أشبه بقرية صغيرة، حيث يتعين علينا كفنانين ومنتجين ومخرجين وكتاب، أن نحترم عقلية المتلقي، ولدي ثقة عالية بأنه إذا كان هناك حكاية درامية جميلة ومعالجة تحتمل التشويق فإن المتلقي سيتابعها بشغف، وبتقديري أن الإشكالية الأساسية لدينا تكمن في طبيعة المعالجة الدرامية لحكاياتنا، بغض النظر إن كانت مستلهمة من الماضي أو تدور رحاها في الحاضر».

ويشير الجسمي إلى أن المسائل المرتبطة بالتراث لا تكمن فقط في جوانبه الجمالية، وإنما يجب على الدراما أن تستغل بذكاء أدوات التراث وتقديمها في إطار حكاية جميلة. ويقول: «على مدار نصف قرن، وهو عمر الاتحاد، أعتقد إن الدراما الإماراتية استطاعت أن تقدم الكثير، وأن تستلهم من التراث حكايات جميلة، ستظل شاهدة على «الزمن الجميل» والعلاقات الإنسانية العميقة».

في الدراما الإماراتية، كثر هم الذين اجتهدوا في تقديم حكايات وحبكات درامية لافتة، ومن بينهم الفنان الدكتور حبيب غلوم، الذي قال في حديثه عن علاقة الدراما المحلية بالتراث: «بلا شك أن الدراما الإماراتية اهتمت بشكل كبير في التراث، وقد استندت في الكثير من أعمالها إلى عناصر التراث المحلي، ولدينا نماذج عدة من الفاعلين على الساحة الدرامية الذين اهتموا بهذا الجانب مثل المنتج والفنان سلطان النيادي، والكاتب جمال سالم، واللذين تشرفنا جميعاً كفنانين إماراتيين في العمل والمشاركة بالأعمال التي قدموها»، وتابع: «للدراما التراثية طابع خاص، كونها تتناول جوانب متعلقة بتاريخنا وتراثنا وثوابتنا، وقد قدمنا على مدار السنوات الماضية الكثير منها، ولكن للأسف باتت هذه الأعمال غير مطلوبة في القنوات التلفزيونية بشكل عام».

غلوم، وبناءً على تجربته الطويلة، بيّن أن «التراث المحلي استطاع أن يستحوذ على مكانة مهمة في الدراما الإماراتية». ويقول: «رغم استفادتنا من التراث في استلهام حكايات مختلفة، إلا أنه بتقديري لم يتحول إلى «عمود فقري» للحكايات الدرامية، خصوصاً في ظل تحول القنوات الحكومية إلى شبه حكومية، وبالتالي أصبح لديها اهتمام أكبر من ناحية الربح المادي، ولا يمكن لأحد أن يلومهم في ذلك، ولكن في المقابل، أعتقد أنه يتوجب على هذه المؤسسات أن ترفع من نسبة اهتمامها بجانب الدراما التراثية».

ويواصل: «على مدار السنوات الماضية، قدمنا أعمالاً مهمة، نجحنا من خلالها في التعريف بتراثنا، وقدمنا صورة واضحة للمتلقي، تتضمن الكثير من العناصر التراثية الخاصة بنا، مثل اللباس والاكسسوارات وحتى الطعام وأنواعه، كما ركزنا أيضاً على العديد من الكلمات التي كانت تستخدم قديماً وقد اندثر معظمها، وبتقديري أن الإبقاء على مثل هذه المفردات أمر مهم، كونها تشكل امتداداً لقيمنا وأخلاقياتنا»، مؤكداً على أهمية توفير الميزانيات اللازمة لمثل هذه الأعمال، قائلاً: «الأعمال الدرامية التراثية تحتاج إلى ميزانيات عالية، ولا ينبغي معاملتها كما الأنواع الأخرى، التي تحتاج إلى ميزانيات أقل، ويتم إنجازها بشكل أسرع، كما تحتاج هذه الأعمال إلى تسويق جيد يتناسب مع طبيعتها وحجمها وأهميتها».

ديكورات

الفنان والمخرج ياسر النيادي، لم يخرج في رأيه عن الطريق الذي سار فيه زملاء مهنته، مبيناً أن «الدراما الإماراتية لم تتعمق كثيراً في التراث، ولم تدخل تماماً في سراديبه». وقال: «لدينا في الإمارات تراث ثري ومخزون ثقافي ومعرفي كبير، كما يوجد لدينا العديد من التجارب والحكايات والمرويات والقصائد وأيضاً الشخصيات التي يمكن الاستفادة منها وتوظيفها في الإطار الدرامي، وبالتالي الخروج منها بحكايات وحبكات درامية عالية في مستواها وجودتها»، واصفاً ما قدم على الشاشة بأنه «أعمال ترتدي ثوب التراث من الخارج، سواء من حيث الديكورات أو الشكليات فقط، ولم تذهب ناحية العمق».

وقال: «أدرك تماماً أن الأعمال الدرامية التراثية مكلفة وتحتاج إلى ميزانيات عالية، ولكن ذلك لا يمنع عدم الدخول في دهاليز التراث واستكشافه وتقديمه على الشاشة بطريقة احترافية عالية، قادرة على مخاطبة كل شرائح المجتمع، وتحترم عقلية المتلقي»، مؤكداً أن «الإمارات تمتلك المواهب القادرة على تقديم أعمال درامية تراثية مستلهمة من التراث المحلي والعربي والإسلامي، وأن تقدمها بصورة عالمية قادرة على المنافسة، وتضاهي في جودتها المسلسلات العالمية التي تذهب لاستلهام حكاياتها من الماضي والتاريخ».

وبحسب وجهة النيادي، الذي استشهد بـ «دروب المطايا» و«مكان في القلب» باعتبارها أعمالاً تعمقت كثيراً في هذا المجتمع المحلي وتفاصيله، فإنه لا يمكن التعامل مع العمل الدرامي التراثي، بالطريقة ذاتها التي يتم فيها التعامل مع الدراما الاجتماعية، قائلاً: «هذه النوعية من الدراما لها خصوصيتها، وهي تحتاج إلى تناول ومعالجة صحيحة وعميقة وموثقة أيضاً، كما تحتاج أيضاً إلى تأنٍ في إنتاجها وتصويرها وكتابتها، وتحتاج أيضاً إلى فريق بحثي وعدم الركون إلى مخيلة الكاتب»، منوهاً إلى ضرورة «تهيئة الأجواء لهذه الدراما لضمان الحصول على أعمال ذات مستوى عالٍ».

طباعة Email