التخييم.. شتاء إماراتي بنكهة البادية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يحرص الإماراتيون على محاكاة أساليب الحياة العربية القديمة، وهذا سر تمسكهم بالخروج للبّر، فالتخييم عادة سنوية قديمة، يمارسها المواطنون في فصل الشتاء، وتستمر حتى أواخر شهر أبريل. وباتت الرحلات البرية من التقاليد الثابتة في حياة العائلة الإماراتية، فعندما يحل فصل الشتاء، يفرح الناس بروعة طبيعة البّر، فيذهبون ويستمتعون بنزول المطر بين الزرع والنبات، ومنهم من يقضي وقته بقطف نبات الحُميض الصحراوي، ذي الطعم المميز. ويشاهد الناس خلال خروجهم للبر، أشجار الغاف، التي تحط فوقها الطيور وتأكل منها، ويجلس الناس تحت ظلالها، ومن هذا المنطلق، ولتفادي الأضرار البيئية، تحرص المؤسسات والبلديات في دولة الإمارات العربية المتحدة، على عدم قطع أشجار الغاف، فهي أشجار عملاقة، لها شكل هندسي مميز. كما يقطف الناس أثناء خروجهم للبر نبات «الحمّيض»، الذي لا ينبت إلا في فصل الشتاء، ويستمتعون بمشاهدة الوديان التي تنزل من الجبال، بشكلها الخلاب، مثل وادي شوكة في رأس الخيمة، حيث يلتف الناس حوله، ويجلسون ويستمتعون بجماله، وهو من أجمل وأروع المشاهد الخلابة، التي يمكن مشاهدتها في البّر.

النشاطات

ويزيد التخييم في البّر بين شهري نوفمبر ومارس، ورغم اختلاف أسلوب التخييم بين القديم والحالي، إلا أن أجواء البادية تسيطر على عادة التخييم، وتسهم في الربط بين الماضي والحاضر.

يحرص أبناء الإمارات على عاداتهم، ولا يفرطون في تقاليدهم التي ورثوها وتناقلوها عبر الأجيال، فالخروج في هذه الأيام، والمبيت في مخيمات بالصحراء، ليس مجرد نزهة فحسب، بل عادة منتظمة، يمارسها الكبار والصغار. ولم تنسيهم الحياة العصرية، الحفاظ على تقاليدهم وعاداتهم العريقة، التي ورثوها من أجدادهم، كالتخييم، والعودة إلى حياة البر والبادية.

ويزداد الإقبال على التخييم في صحراء الإمارات، في فصل الشتاء، حيث يلجأ الناس للتخييم في البادية، طلباً للتنزه والتمتع بالمناظر الطبيعية، فضلاً عن التمتع بالراحة والهدوء، وقضاء إجازة سعيدة واستثنائية، أملاً في إراحة العقول والنفوس، والابتعاد عن الروتين اليومي وحياة المدينة، واستبدالها بحياة فطرية، تعيد للنفوس سكينتها، وللقلوب اطمئنانها، وللعقول راحتها. وتتميز رحلات البر، بكسر الروتين اليومي، خصوصاً أيام الإجازات، سواء من الدراسة أو العمل، ومثل هذه الرحلات، تعد مكسباً للجميع، كما أن للرحلات فوائد عديدة، سواء نفسية أو معنوية، فالاجتماع مع الأصدقاء الذين تفتقدهم لزمن طويل، هو من أجمل اللحظات، خصوصاً في مثل هذه الأماكن، والطبيعة الجميلة التي تبعث الفرحة والبهجة في القلوب، فتلك اللقاءات، تجديد للعلاقات التي قطعتها ظروف الحياة ومشاغلها. وعن حياة البر والتخييم، يقول محمد سعيد النعيمي، أحد أعيان عجمان، من الذين عاصروا عادة التخييم منذ القِدم، إنها عادة إماراتية أصيلة، حافظت عليها العائلات، جيلاً بعد جيل، والتخييم كان في مناطق معروفة منذ عشرات السنين، في جميع أرجاء الدولة، ويحرص البعض على التنويع، والتنقل من مناطقهم إلى مناطق أخرى، وفي الماضي، كان الأهالي ينصبون بيت الشعر، والبعض منهم ينصب الخيام، وفي رأس الخيمة، مثلاً، كان التخييم يتركز في الحمرانية والمدفق، بالقرب من الجزيرة الحمراء، وعلى ذات النسق، في عجمان، في منطقة الحليو، وعلى طول الخط، حتى أم القيوين، وفي الشارقة، وكذلك في دبي وأبوظبي. إن عادة التخييم، التي سار عليها الآباء والأجداد، واستمرت بذات النكهة، حتى وقتنا الراهن. ويتابع النعيمي: «أصبحنا محافظين جيلاً بعد جيل، على هذه الحياة في فصل الشتاء، رغم الاختلاف الذي حدث في الطفرة العمرانية، والشوارع التي شقت الصحراء، وهذا يدل على حرص أبنائنا على المحافظة على الماضي العريق».

ويضيف النعيمي: إن التخييم يمتد لأيام عديدة، تصل أحياناً أكثر من أسبوعين، لإشباع رغبة الناس في ممارسة حياة البادية، وهذه الرغبة مستمدة من أسلوب الحياة في الماضي، وتأثير البادية الرائع على الكثير منهم . ويضرب النعيمي مثلاً عن السكن قديماً في عجمان، حيث كانت بعض العائلات لها منزلين، أحدهما للصيف، والثاني للشتاء، والفرق بينهما أن المنزل الشتوي يكون مشيداً من الطين والطوب، بينما المنزل الصيفي يسمى «النخل»، وهو أشبه بالمزارع، ويعتمد على سعف النخيل في تكوينه. ويعتبر النعيمي نفسه محظوظاً بمعاصرته لحياة التخييم القديمة، ويشير إلى أن المحافظة على تراث «التخييم» في فصل الشتاء في الإمارات، جعلت كل زائري ومقيمي الدولة، من عرب وأجانب، يمارسون هذا التراث.

مناطق البرّ

أرض الإمارات تتميز بعدد كبير من تلك الأماكن البرية، التي تستقبل العائلات والأصدقاء للتخييم، فيتجهون من رأس الخيمة، إلى وادي القوع ووادي غليله ووادي شعم وجبل جيس، ومن دبي يذهبون إلى منطقة الورقاء ومنطقة البداير والخوانيج، وإن كانوا في الشارقة يقصدون الذيد وفلج المعلا، ومن أبوظبي إلى ليوا والوثبة والفاية. ومن المناطق التي يخيم فيها الأهالي دبا والبدية وشرم والعقة والرول وآخر دبا، أما أهل الجبال، فكانوا يخيمون في الجبال، ومن أشهر المناطق الجبلية التي يخيمون فيها، البثنة والسيجي والغيل. وفي عجمان، قريباً من التلة، تقع منطقة الحليو، ويأتي الناس إليها من جميع مناطق الدولة، ينصبون الخيام، ويقيمون أياماً وشهوراً، خاصة في موسم الإجازات والعطلات الرسمية. وفي منطقة مزرع بإمارة رأس الخيمة، التخييم بها نوع شائع من أنواع الترويح عن النفس، حيث يتوافد على المنطقة المواطنون والمقيمون من الجنسيات العربية والأجنبية، مع حلول موسم الشتاء، وهطول الأمطار. وقريباً من البطائح في الشارقة، تقع مناطق الرفيعة وطوي السامان الذيد، وعليها يقبل المواطنون والمقيمون من جميع أنحاء الدولة، لينصبوا الخيام، ويقيموا أياماً، بينما يظل البعض أسابيع.

طباعة Email