العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    جذور

    الوثائق البريطانية.. استكشاف النفط في المنطقة

    فتحَ العثور على النّفط في الجزء الجنوبي الغربي من إيران، عام 1908، شهيّة بريطانيا لسبر أغوار صحاري شرقيّ شبه الجزيرة العربيّة، من الكويت إلى عمان.

    ثمّ ما تبع ذلك من قرار اتّخذه ونستون تشرشل (Winston Churchill) (30 نوفمبر 1874 - 24 يناير 1965)، رئيس البحريّة البريطانيّة آنذاك في عام 1913، المتضمّن التحوّل النّهائي إلى استخدام البترول في الأسطول البريطاني، بدلاً من الفحم. وكانت حينها هذه المنطقة تخضع بشكل أو بآخر للنّفوذ البريطاني.

    وما تبع ذلك من توقّع من وجود كميات هائلة من النّفط في بقيّة منطقة الخليج العربي، على اعتبار امتداد هلال النّفط من جنوب غربيّ إيران، إلى بقيّة الساحل الخليجي الواقع في شبه الجزيرة العربيّة، وامتداداته البرية.

    وتعدّ أول إشارة رسميّة إلى البدء باستكشاف المنطقة، في رسالة لونستون تشرشل نفسه، وكان حينها وزير الدولة لشؤون المستعمرات، إلى السير بيرسي كوكس (Percy Cox) (27 نوفمبر 1864- 20 فبراير 1937)، المقيم السياسي الشهير في الخليج، بتاريخ 22 يونيو 1921، يعلمه فيها بضرورة حصول الشركة البريطانيّة الفارسيّة للنّفط، على رخص من حكّام إمارات الخليج، بالبحث والاستكشاف عن هذا المورد الاقتصادي الأشهر.

    الوثائق المجموعة

    وأثناء تجوالي في مكتبة دائرة الآثار والمتاحف برأس الخيمة، عثرت على 12 مجلّداً بعنوان: (Arabian Oil Concessions: 1911 - 1953)، تتضمّن وثائق من مكتب الهند ولندن، سجّلت مداولات ونقاشات واتفاقيّات النفط الأولى، منشورة في عام 1989.

    فيها عن الكويت في 3 مجلّدات، وعن البحرين في مجلّدين، وعن قطر في 3 مجلّدات، وعن إمارات الساحل في 3 مجلّدات، وعن مسقط وعمان في مجلّد واحد. وتشير المقدّمة العامّة إلى هذه الوثائق، وما تمثّله من أهمّيّة اقتصاديّة وسياسيّة لحقبة زمنيّة تمتدّ بين عامّي 1911 و1953. وتحتوي المقدّمة خلفيّة تاريخيّة، تشير إلى ما يلي:

    (1) أنّ التحديث والتطوّر الحاصل في دول الخليج العربي، اعتمد على اكتشاف النّفط في هذه الدول.

    (2) لم يكن في خيال أحد أن يتصوّر أنّه خلال نصف قرن، وبعد مداولات مكثّفة بين الحكّام، والحكومة البريطانيّة، وشركات النّفط، تمّ على أثرها التنقيب عن النّفط.

    (3) ونتج عن هذه النقاشات المطوّلة، ترسيم الحدود بين الدول، وعقد العديد من المؤتمرات واللقاءات حول هذا الموضوع.

    (4) لقد كان اقتصاد المنطقة، ومداخيل الحكّام، يعتمد اقتصاديّاً بشكل كبير على النّشاطات الاقتصاديّة لأهالي المنطقة، المعتمدة بدورها على الغوص، والتجارة، وصيد الأسماك.

    (5) وباكتشاف النّفط، لم يستمر الاعتماد على نشاطات الأهالي، بل تعدّى ذلك إلى المداخيل الهائلة للنّفط.

    احتوت هذه السلسة 12 مجلّداً، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، اختيرت وثائقها من مجموعات مكتب الهند ولندن، ومراسلات ومجموعات دار الاعتماد في بوشهر إلى عام 1947. ثمّ تلك المجموعات التي احتفظت بها بقيّة دور الاعتماد في دول الخليج. ومن مخزونات حكومة الهند، بالإضافة إلى مراسلات بعض شركات النّفط، ووزارة الخارجيّة.

    دار الاعتماد

    ملفّات دار الاعتماد في الخليج العربي: وهي ملفّات ثريّة بالتقارير والمراسلات التي شاركت فيها دور الاعتماد السياسي في إمارات الخليج. وألمحتْ المقدّمة إلى دلائل الخطّة الاستراتيجية للإدارة الإمبراطورية البريطانية في الشرق، وكان من ضمنها عدم توقيع أي من حكّام المنطقة معاهدة للتنقيب عن النفط، مع أي شركات، بدون موافقة بريطانيا.

    وصرّحت المقدّمة باسم المغامر النيوزيلاندي المايجور فرانك هولمز (Major Frank Holmes)، ودخوله في مجال التسابق على الحصول على الامتيازات من حكّام الإمارات الخليجيّة. وأشارت إلى مصطلح عدم تسييس الامتيازات النّفطيّة (The depoliticization of oil concessions)، وهي بدعة بريطانيّة، لا تنطبق على قيام البريطانيين أنفسهم بتسييس المسألة.

    حركات الاتفاقيّات

    ومن أهمّ ملامح المقدّمة، هو القول بأنّه جرى الاستعجال في الاتفاقيّات في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، خاصّة بعد اكتشافات النفط المبشّرة في البحرين عام 1932. ومن الملامح المتعلّقة بالاتفاقيّات الاقتصاديّة، التأكيد أنّ الشيخ سعيد بن مكتوم، كان أول مَن وقّع اتفاقية اقتصادية مع (PCL: Anglo-Persian oil company)، في مايو 1937.

    ثم حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن صقر في سبتمبر. ثم حاكم أبوظبي الشيخ شخبوط بن سلطان في 1939. ثم حاكما رأس الخيمة الشيخ سلطان بن سالم، وأمّ القيوين الشيخ أحمد بن راشد في 1945. ثمّ حاكم عجمان الشيخ راشد بن حميد في 1951، ثم حاكم الفجيرة الشيخ محمد بن حمد في 1953.

    المجلّد الأول

    ونحن في قراءتنا هذه، سوف نستعرض فقط أهمّ الإشارات في المجلّد الأول حول الإمارات، ليتعرّف القارئ إلى قِدم الاهتمام بالنّفط واستكشافه في المنطقة.

    وقد تبعت رسالة تشرشل، عشرات المراسلات بين وزارة المستعمرات البريطانيّة، وحكومة الهند، ودار الاعتماد السياسي في بوشهر. وفي هذه المراسلات، الكثير من التكرار والإبلاغ عن أوضاع المنطقة، والإشارات الكثيرة إلى الشركة البريطانية الفارسيّة للنّفط. ومن هذه المراسلات، رسالة كتبها الرائد آرثر پريسكوت تريڤور (Arthur Prescott Trevor)، (توفّي في 4 أبريل 1930)، المقيم السياسي في الخليج بتاريخ 8 سبتمبر 1921، إلى سكرتير وزارة الخارجية، الذي كان بمثابة وزير الخارجيّة بحكومة الهند، في الدائرة الخارجيّة والسّياسيّة، فيها إشارة غير لائقة لأهالي المنطقة، وفيها أنّ الطلب من حكّام الإمارات، تسليم السلطة البريطانيّة التعهّدات المشار إليها، قد يثير فضولهم.

    وربما تحصل معارضة من قِبلهم تجاه هذه التعهّدات، ما لم يُبيَّن لهم حقيقة الأمر. وجاءه الردّ سريعاً في برقيّة بتاريخ 9 فبراير 1922، بضرورة إجراء المفاوضات متى سنحتْ الفرصة مع الشيوخ المتصالحين، لإبرام معاهدات مماثلة لتلك التي عُقدت مع شيخي الكويت والبحرين.

    صيغ متماثلة

    وأول تعهّد تلقّاه المقيم السياسي من الإمارات، أتى من الشيخ خالد بن أحمد القاسمي حاكم الشارقة، بتاريخ 17 فبراير 1922، ثمّ تعهّد الشيخ سلطان بن سالم حاكم رأس الخيمة بتاريخ 22 فبراير 1922، ثمّ الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي بتاريخ 2 مايو 1922، ثمّ الشيخ حمدان بن زايد حاكم أبوظبي بتاريخ 3 مايو 1922، ثمّ الشيخ حميد بن عبد العزيز حاكم عجمان بتاريخ 4 مايو 1922، ثمّ الشيخ راشد بن أحمد حاكم أمّ القيوين بتاريخ 8 مايو 1922. وهي بصيغ متماثلة، بل تكاد تكون متطابقة، وفيها تعهّد كامل من شيوخ الإمارات، بعدم منح أيّ امتياز للنفط، إلا لِمَن ترتضيه الحكومة البريطانيّة.

    مرادفات جديدة

    وللمرة الأولى، تستعمل لفظة: «قاز» بالقاف ولفظة: «كاز»، وترجمتها في اللغة الإنجليزيّة: «نفط» (oil). وفي اعتقادي أنّ هذه اللفظة بحدّ ذاتها جديدة على اللهجة المحلّيّة بمعناها التقني. وفيما يبدو، فإنّ لفظة مشابهة قد استخدمها حاكم البحرين في تعهّده، وهي: «زيت الكيروسين». وهو عندنا الكاز.

    ومن الأمور اللافتة للنّظر، أنّ هذه التعهّدات ملزمة للشيوخ الذين وقّعوها، ولِمَن أتى من بعدهم. ويشيع في مراسلات المقيم السياسي في الخليج لقب: «رئيس الخليج»، بمعنى المقيم باللغة الإنجليزيّة. كما استعمل البريطانيون في تقاريرهم الأولى مع حكّام المنطقة، لقب: «رئيس» (Chief)، مسبوقاً بلقب شيخ. وكان أكثر ما يثير ريبة البريطانيين، هو وصول أحد من غير رعايا بريطانيا له علاقة بالنّفط.

    مراسلات

    تكرّر في المراسلات، الإشارة إلى الحاج ويليامسون (ويليام ريتشارد ويليامسون) (Haji Williamson) (1872 – 1958)، أو الحاج عبد الله وليم، أحد الشخصيات الشهيرة التي تعاملت مع امتيازات النّفط، وتواصل مع حكّام إمارات الخليج، وسهّل مَهمّة دخول البريطانيين إلى المنطقة للتنقيب عن النّفط. وعلّنا نستعرض رحلته في حلقات قادمة، إن شاء الله.

    طباعة Email