العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الصدف الدمشقي صناعة عريقة تصارع للبقاء

    في أزقة دمشق القديمة الضيقة جدران من اللبن والطين، وبوابات متناثرة على جوانبها، لا تشعر بأن هناك فرقاً بين بيت وآخر، إلا أن هذا الأمر يختلف عند دخول تلك البيوت، كمن يتنقل من الصحراء إلى الواحة، حيث تظهر طبيعة البيوت المعمارية المنكفئة على الداخل من خلال هندستها وأثاثها الراقي الذي يعكس ذوق أصحابها.

    واشتهرت البيوت الدمشقية باقتناء الأثاث المطعم بالصدف، وهي صناعة تعود إلى مئات السنين في دمشق، ويعتبر حرفيوها الأمهر في العالم، إلا أن سنوات الأزمة أدت إلى تراجع هذه الصناعة بشكل كبير، فيما يصارع من بقي منهم داخل البلاد منتظراً أن تتحسن الظروف.

    مئات السنين

    في أحد معارض الشرقيات في الطريق المستقيم في باب شرقي قال المهندس فايز لـ«البيان»، إن «صناعة الصدف موجودة في سوريا منذ مئات السنين، وهي من أهم الصناعات اليدوية الدمشقية التي أنتجت أجمل الأثاث والتحف في البلاد والعالم، حيث تضم هذه الصناعة الأرائك والديوانيات والأسرة والخزن ومفروشات القعدة والعلب الصغيرة، وأقرب مثال لتلك الصناعة المفروشات في قصر العظم بدمشق القديمة».

    وأضاف فايز: «هذه المفروشات من أهم العناصر الزخرفية الموجودة في البيوت الدمشقية، حيث كانت في السابق تؤثث بالمفروشات المطعمة بالصدف، وذلك قبل التأثير الأوروبي».

    وأشار إلى أن «صناعة الصدف مرت بمرحلة في الستينات والسبعينات حيث أصبح هناك تجاهل للمفروشات المصدّفة، ولم تعد ذات أهمية وأغلقت الورش الخاصة بصناعتها، إلا أنه بعد سنوات عادت هذه الصناعة إلى الازدهار»، لافتاً إلى أن «هناك قطع أثاث مطعمة بالصدف يتم تداولها منذ 200 أو 300 عام، وهذا دليل على عراقة هذه الصناعة ومتانتها».

    مراحل

    صناعة الصدف من الصناعات اليدوية التي تحتاج إلى الدقة والصبر والذوق الرفيع وتمر بمراحل عدة، حيث يقول صاحب معرض «الحاج حمود للشرقيات» طلال البدوي: «حرفة تطعيم الصدف هي حرفة تعتمد على خشب الجوز والصدف البحري أو النهري بكل ألوانه الأبيض، الأسود، الأخضر، والفيروزي، وتعتمد على تنزيل الفضة قديماً، والآن معدن القصدير بديل للفضة، والعظم هو عظم الجمل وفي بعض الأحيان العظم الصناعي».

    وأضاف: «هذه الحرفة تستخدم في الديكورات مثل الأسقف والجدران والأقواس وجميع المفروشات السورية»، لافتاً إلى أن «خشب الجوز يجب أن يكون مجففاً، حيث يحتاج ما بين 3 إلى 5 سنوات للتجفيف».

    وأردف: «بعد تجفيف الخشب نقوم بتفصيل المطلوب مثلاً الكرسي بعد تفصليها من خشب الجوز ثم نقوم بالرسم المطلوب، إن كان رسماً نباتياً أو رسماً هندسياً»، موضحاً أن «معظم الرسوم في حرفتنا عربية وإسلامية».

    وأشار البدوي إلى أنه «بعد إتمام الرسم المطلوب نقوم بعملية الحفر»، مبيناً أنه «بعد عملية الحفر تأتي عملية ا تنزيل الصدف مكان الحفر بالشكل الذي تم الحفر فيه».

    ويتم اختيار خشب الجوز؛ لأنه سهل الحفر وقطعه كبيرة، ولونه بني محروق، ومتين، ولا يتشقق مع الزمن.

    أنواع

    قال حسان الحرستاني، صاحب ورشة لصناعة الصدف: «هناك عدة أنواع فيما يخص تطعيم الصدف، كالعربي، والمشجر، والطلس، والحفر وغيرها، وهذه تأتي وفقاً للمواد الأولية المستخدمة وحجمها من الصدف وخيوط الفضة والقصدير والعظم والحفر»، لافتاً إلى أن «دمشق هي الأولى في هذه الصناعة على الرغم من وجود هذه الصناعة في مصر وتركيا».

    وتابع الحرستاني أن «دمشق صنعت أرقى أنواع الأثاث المطعم بالصدف، حيث كانت العروس في السابق تقتني الصندوق المطعم بالصدف وهو إلزامي، فيما أثاث العائلات المقتدرة مادياً كان معظمه من هذه الصناعة في غرف القعدة والنوم والضيوف والاستقبال».

    أزمة

    أجمع معظم أصحاب محلات الشرقيات ممن التقتهم «البيان»، على أن هذه الصناعة تأثرت كثيراً بالأزمة التي تشهدها البلاد بسبب قلة المبيعات لهذه القطع القيمة واقتصارها حالياً على طبقة الأغنياء.

    وقال الحرستاني: «هناك صعوبات كبيرة في السنوات الأخيرة في فترة الأزمة، حيث كان اعتمادنا على السياح العرب والأجانب، وعدم قدومهم أثر بشكل كبير في هذه الصناعة وفي تصريف منتجاتنا، والمواطن السوري العادي غير قادر حالياً على شراء هذه المنتجات بسبب ارتفاع أسعارها»، مشيراً إلى أن «الكثير من الورش أغلقت واليد العاملة في هذه المهنة هاجرت».

    وأضاف: «المواد الأولية شهدت ارتفاعاً كبيراً في الآونة الأخيرة، إذ يصل سعر المتر من خشب الجوز إلى 5.5 ملايين ليرة (2200 دولار)، فضلاً عن غلاء الصدف البحري الذي نستورده من الفلبين وتايلاند وغيرها، والنهري وهو من نهر الفرات».

    وتابع الحرستاني: «تفصيل الكرسي الواحد حالياً من خشب الجوز يكلف مليون ليرة وإذا تم تطعيمه في الصدف فإن سعره يبدأ من 2.5 إلى 3 ملايين ليرة وما فوق، بحسب كمية الصدف ونوع الصناعة والقماش وغيرها».

    وأشار إلى أنه «قبل الأحداث كان الكرسي يكلف بين 50 و55 ألف ليرة (1000 إلى 1100 دولار وفقاً لسعر الصرف آنذاك)، وكنا لا نصنع الكراسي دون إضافة قماش البروكار إليها، حيث كنا نحتاج ما بين 60 سم2 والمترين ونصف المتر، ويصل سعر المتر حينها إلى 100 دولار».

    وأوضح الحرستاني أن «أحد أسباب تأثر هذه الصناعة هو هجرة اليد العاملة»، لافتاً إلى أن «العديد منهم قام بفتح ورش لصناعة التطعيم في الصدف في مصر وتركيا وألمانيا».

    طباعة Email