جـذور

دبي في كتاب «المسح الاقتصادي للإمارات المتصالحة»

أصدر مركز زايد للدراسات والبحوث في نادي تراث الإمارات، كتاب: المسح الاقتصادي لـ«الإمارات المتصالحة»، للدكتور سيف بن عبود البدواوي، عام 2019.

ويستعرض المؤلِّف في كتابه هذا ما دوّنه 12 خبيراً بريطانيّاً حول العديد من النّتائج المهّمة التي توصّلوا إليها من خلال دراسات وأعمال ميدانيّة في الإمارات عام 1969.

وكان يعمل معظمهم في وزارة تنمية ما وراء البحار البريطانيّة، إضافة إلى آخرين من مؤسّسات وجامعات بريطانيّة أخرى. وفي حقيقة الأمر فإنّ هذا التقرير يعدّ أوّل تقرير متكامل حول الإمارات قُبيل الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي.

كانت دبي في ستينات القرن الماضي حاملة لواء التطوير في المنطقة، وهي التي كان تهفو إليها نفوس التجّار والعاملين والزائرين والعابرين. بما لها من مكانة اقتصاديّة رائدة في المنطقة وضع أُسسها وطوّرها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه. وفي التقرير إشارة جليّة إلى أنّ البحر أمّد دبي بالمصدر الرئيس للحياة سواء كان ذلك في ميدان الصيد أو في ميدان السفر البحري.

ويرد في التقرير أنّ نحو 36.1% من سكّان دبي في عام 1968 كانوا منخرطين في العمل التجاري، والنّقل، والمواصلات. وهذا نتيجة استثمار إمارة دبي موقعها الجغرافيّ المناسب للموانئ في منطقة الخليج العربي، وصلاته الدائمة بموانئ مسقط وإيران وشبه القارّة الهنديّة. كما أنّ منشآت الميناء قد جرى صيانتها جيّداً.

إضافة إلى أنّ سياسة الإمارة المنفتحة، والمتوافقة مع التجارة والاستثمار أدّت في نهاية المطاف إلى جذب التجار إليها. كما أنّ ميناء دبي عمل بجدّ ونشاط في تجارة الاستيراد، وإعادة التصدير للمنتجات المحلية وبالذّات الأسماك المجفّفة، والتبغ، والتمور، والحمضيات.

وفي الوقت نفسه، فإنّ دبي قد شهدتْ نمواً منتظماً في حجم البضائع والسلع المستوردة للسوق المحلي. إضافة إلى التوسّع الهائل في تجارة الذهب.

وكلّ هذا النّشاط جعل الإمارة تستفيد من التوسّع في نشاطها التجاري، عن طريق التحصيلات المباشرة من الضرائب الجمركيّة والرسوم الأخرى على بضاعة الاستيراد التي ارتفعت من معدّل 32000 دينار بحريني في عام 1960 إلى 2.8 مليون دينار بحريني عام 1968. كما أنّ جزءاً كبيراً من الأرباح قد خُصّص لتحسين البنية التحتيّة في الإمارة.

وفي تلك الفترة حدث في دبي توسّع عمراني كبير، ودخلت شركات الكهرباء والاتصالات، والبنوك، والوكالات المتنوّعة، والمصانع، والفنادق، ما أدّى إلى تدفّق رؤوس الأموال الخاصّة من الخارج. وبذلك، وفي منتصف عام 1969 كانت دبي قد وصلتْ إلى مركز متميّز على ساحل الإمارات.

وفي الوقت نفسه فإنّ ما تحصّلتْ عليه إمارة دبي من تمويل قد خُصّص لتنمية ميناء دبي عام 1952 ثم في عام 1962، وفي عام 1969 خُصّص المال لتأسيس محطّة إرسال تلفريونيّة إضافة لإنشاء وصيانة مستشفى دبي. وممّا لا شكّ فيه فإنّ المنشآت الصحية كانت ضرورية، ومكمّلة للخدمات العامّة في الإمارة.

وتعدّ البرامج المموّلة من مصادر محلية هي الأكثر إبهاراً، وجارٍ تطبيقها في الإمارة، وتغطّي مجالاً واسعاً من المشاريع الرأسماليّة التي كان من ضمنها تعميق الميناء، وإنشاءات مطار دبي، والمستشفى الكبير، ونظام الصرف الصحي، وجسر يفتح أفقيّاً، وقيادة شرطة دبي، وكورنيش بحري.

وتقدّر الكلفة الإجماليّة لكلّ هذه الإنشاءات بما يزيد على 50 مليون دينار بحريني.

وعملتْ دبي على تأمين بنية تحتيّة أساسيّة ترتبط بشكل رئيس بالتنمية الاقتصاديّة التي يمكن تنفيذها، وإدارتها بفاعليّة ينتج عنها تحسين فاعليّة نقل المنتج الزراعي المحلي في بقيّة الإمارات للأسواق الرئيسة، وإنشاء وصلات للطرق ما بين المراكز الرئيسة، وهذا يتطلّب تنمية المنشآت التخزينيّة في دبي.

وإضافة طرق للطيران مع بقيّة دول العالم، وتوسيع الاتصالات الهاتفيّة بين الإمارات المختلفة ثمّ تأمين الكهرباء والمياه.

ما يجري من توسّع في مطار دبي كان سيجعل منه أحد أحدث المطارات في الشرق الأوسط. والتمديد والتنسيق للنّظام الهاتفي الذي بدأ العمل فيه بدبي يسير نحو التقدّم، ومن الجدير بالذِّكر أنّ معظم المسؤوليّة عن هذا القطاع تقع على عاتق القطاع الخاص.

منجزات

ويعتبر تحسين وامتداد الخدمات التعليمية والصحية من أهمّ المنجزات التي يجب أن تؤخذ بالحسبان. إذ إنّ التعليم الأفضل سوف يحسّن الخصال الثقافيّة والمهنيّة للمواطنين، وتعدّهم للحصول على نصيب أوفر في الأعمال الجديدة، وبأسلوب أفضل. كما أنّ تحسين الخدمات الصحية يؤدي في نهاية الأمر إلى وجود أناس أصحّاء، قادرين على العمل بكفاءة.

وقد ساهم دخل النّفط في دعم النّشاطات الإنشائيّة في البلد. كما أنّ الإحصاءات الرسميّة للواردات الاستيراديّة إلى داخل دبي قد تحسّنتْ من حيث الدّقّة. والزيادة المنتظمة في الواردات إلى دبي قد انعكست على الدخل المتزايد للإمارة عبر رسوم الجمارك والمصروفات الأخرى.

إضافة إلى إعادة التصدير، توجد تجارة تصدير أخرى باعتبار أنّ السلع المعنيّة هي في معظمها: الأسماك المجفّفة، والتبغ، والتمور، وجميعها واردة من إمارات أخرى، وخاصّة رأس الخيمة.

تنظيم

إنّ التجارة التي كانت منظّمة جدّاً، وأرباحها عالية، جذبتْ عدداً من المشاركين من الخارج، وقد ازدهرت في تلك الفترة تجارة الذهب ازدهاراً كبيراً.

وزاد الطلب على الأراضي والممتلكات منذ منتصف عام 1960، وازداد الطلب على المكاتب وأماكن الإسكان والأراضي المخصّصة للبناء، وزاد الأمر ارتفاعاً منذ إعلان اكتشاف النّفط عام 1966. وبالتالي فإنّ القفزة الرئيسة وراء نموّ الاقتصاد هي التجارة.

وبالتالي فإنّ الأرباح المتحقّقة في هذا الاتجاه قد بدأ استثمارها في بعض المؤسّسات الصناعيّة الصغيرة التي أنشأها أهل دبي بأنفسهم، وأسهمت بطريقة أو بأخرى في زيادة الدخل القومي. وتطوّرت في دبي مؤسّسات صناعيّة صغيرة كانت مهتمّة بمواد البناء أو بإنتاج المشروبات الخفيفة الذي ميز دبي عن غيرها من الإمارات آنذاك.

شبكة طرق

أمّا فيما يتعلّق بالطرق فإنّ شبكة الطرق في الإمارات كانت محدودة، وكان إنشاء الطريق الرابط بين دبي ورأس الخيمة بطول نحو 116 كم من أهمّ المطالبات؛ لأنّ مثل هذا الطريق سيزيد من كثافة الاستيراد والتصدير من خلال ميناء دبي، وأَنجز الجزء من دبي إلى الشارقة مكتب التطوير ثمّ تم استكماله إلى رأس الخيمة.

وكان وجود التمويل الكافي سيلعب دوراً مهمّاً في مدّ شبكة الطرق إلى المنطقة الشّرقيّة عبر الجبال والوديان، وسيسهم بالتالي في تسهيل التواصل بين أجزاء الإمارات، وستصل عن طريقها السلع والمنتجات المحلية إلى دبي، فإمّا تأخذ طريقها إلى المشترين المحلّيين، وإمّا تصدّر إلى الخارج عبر ميناء دبي.

ميناء دبي

في عام 1958 حصلتْ دبي على قرض لتمويل تطوير الميناء بمقدار 400 ألف دينار بحريني، وهو في حقيقة الأمر أول مشروع جادّ لتطوير الميناء الذي انتهى عام 1963، وبكلفة إجماليّة تقدّر بـ1.2 مليون دينار بحريني. وفي هذا المشروع بُني مدخل جديد للخور، ورصيف للفرضة ومرسى للسفن، وذلك وضع دبي في وضع يمكنها من إصلاح سفن حتى ذات حمولة 800 طنّ.

إضافة إلى إنشاء كاسر أمواج ضخم. وقد استفادت سفن وقوارب عدّة من التسهيلات الجديدة في ميناء دبي. بينما السفن الضخمة كانت ترسو على مسافة بعيدة عن الميناء، وكانت حمولتها تنزّل وتنقل بواسطة سفن صغيرة إلى الميناء. ثمّ أدّى تزايد النّشاط التجاري في دبي إلى توسعة الميناء عدّة مرّات خلال عقد الستينيات

إضافة إلى عمل تسهيلات لتخزين البضائع. وبحلول عام 1966 أصبح لدى دبي إمكانيات حديثة يدار بها الميناء أدّتْ بالتالي إلى درّ مدخول مادّيّ كبير. ومع مرور الزمن أضيفت مراسٍ جديدة، وأنشئ على أثرها ميناء راشد.

وقد صاحب هذا التطوّر، خاصّة بعد دخول شركات النّفط إلى زيادة الطلب على الهواتف، وأجهزة التلغراف، ولهذا فقد تأسّستْ في دبي شركة تليفون دبي في عام 1959، وبمجرّد تأسيسها تزايدت أعداد الخطوط الهاتفيّة لتصبح في عام 1969 حوالي 30 ألف خط. وحتى تستطيع شركة التليفونات تلبية الطلب المتزايد كان لابدّ من زيادة رأس المال الذي أصبح 144.600 دينار بحريني.

الكهرباء

وجدت شركة كهرباء دبي عام 1959، وكانت خطوة أساسية في إطار خدد الإمارة لتطوير البنية التحتيّة.

المطار

طرح المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، فكرة إنشاء مطار في دبي، منذ عام 1959، وانتقلت الفكرة إلى الواقع في 1 أكتوبر 1960، حيث افتتح مطار دبي، ثمّ في عام 1963 أنشئ مدرّج جديد لمطار دبي بطول 9200 قدم، ثمّ افتتح رسميّاً في عام 1965. وهكذا ازدادت توسعات مطار دبي خلال فترة التنقيب عن النّفط في الإمارات، وذلك لحاجة شركات النّفط إلى استخدام المطار. ثمّ أضيفت توسعات أخرى للمطار.

 

 

طباعة Email