البيوت القديمة.. معمار ثري بالجماليات والدلائل

تقف المباني القديمة عموماً، والبيوت على وجه الخصوص، شاهداً على عراقة الماضي وتميز الأجداد في الابتكار المعماري البسيط، استناداً إلى «الفراسة» والذكاء الفطري في تشييد تلك المباني التي تفوح منها رائحة الطين وسعف النخيل وبيوت الشعر المصنوعة من الوبر، واتسمت البيوت في الإمارات قديماً بالحياة البسيطة والاعتماد الكلي على الطبيعة ومصادرها التي لا تعد ولا تحصى.

فالبحر، والنخيل ورمال الصحراء، هي ملخص عناصر الحياة قديماً في تشييد البيوت التي مرت بمختلف المراحل من التطور العمراني حتى وصلت لما نحن فيه الآن من معمار حديث وناطحات سحاب، وما يهمنا هو الماضي العريق الذي تصَرف نحوه أجدادنا بكثير من الذكاء في تشييد «البيوت» التي روعي فيها وسائل التهوية لتقليل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، خصوصاً في فصل الصيف.

مكونات ثقافية

والبيوت والمباني المختلفة ليست مجرد هياكل معمارية جامدة، ولكنها عناصر محمّلة بكثير من المؤشرات والدلالات الفنية والمعمارية، إذ تمثل أشكال وأنماط العمارة جزءاً رئيساً من مكونات ثقافة أي دولة وتراثها، فهي ترتبط بروابط وثيقة بالبيئة والجغرافيا التي تحيط بها، وتستمد من المكان طابعها العام وملامح خصوصيتها.

كما تستمد مواد البناء من الخامات المتوافرة في البيئة وفقاً لطبيعتها، وهو ما يجعلها قادرة على التكيف مع البيئة والحفاظ عليها، لتكتسب صفة محوّرية وهي الاستدامة.

ولذلك تمثل دراسة الأنماط المعمارية السائدة في مكان ما عاملاً مهماً في دراسة طبيعة هذا المكان وتاريخه، بينما تعدّ التحوّلات التي تطرأ على المباني وأشكال العمارة مؤشراً إلى تتبع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المجتمع.

بيوت الشَّعر

وأول أشكال وتصاميم البيوت قديماً، حيك من شعر الماعز وصوف الغنم، يخلط ويغزل ويبرم بإحكام ثم يطوى على شكل كروي، وينصب باستخدام الحبال والأوتاد ليكون شكل الخيام المتعارف عليه، تم بناؤها في الماضي في الصحراء ويتميز هذا النوع من البيوت في الإمارات بسهولة النقل من مكان إلى آخر.

بيوت العريش

ثم جاءت بيوت سعف النخيل، وعادةً ما كانت المنازل تأخذ شكل المربع أو المستطيل ولها بأبواب ونوافذ صغيرة جداً، وكانت تغطى في فصل الشتاء بقماش «الطربال» المصنوع من القطن والنايلون لمنع تسرب ودخول الأمطار إلى البيت، واشتهر هذا النوع من البيوت قديماً بشكل كبير بين أفراد المجتمع الإماراتي وتنوعت أشكاله ومساحاته، لكن جميعها تتكون من أساسيات متشابهة في المواد والشكل العام، أما عملية البناء فتكمن في حفر خندق صغير حسب المساحة المطلوبة ومن ثم يرص الجريد بشكل طولي، ثم يردم الخندق بالحجارة الصغيرة والطين الممزوج مع الماء.

ومن ثم يرص الجريد مرة أخرى ولكن بشكل عرضي، على مسافات متساوية ومتباعدة نسبياً وتربط عن طريق الحبال لإحكام البناء، وتثبت أركانه بأنصاف جذوع النخيل، والسقف يتم تغطيته بالدعن، وهو عبارة عن جريد مرصوص ومحكم بحبال شكلت منه قطعة واحدة ومتماسكة، ثم ما إن يثبت أيضاً بأركان العريش ويوضع سعف النخيل بشكل متداخل حتى يحجب أشعة الشمس إلى الداخل.

والنوع الثالث تمثله بيوت الطين، تلك التي شُيدت بمزج الماء مع التراب أو من الطين والتبن والطوب الخفيف، وهي طريقة تتشابه من حيث فكرة البناء وتوزيع الغرف مع بيوت الحجر إلى حد كبير، مع الفارق في أن البناء بالحجر أكثر صلابة وصموداً لعشرات السنوات وربما مئات السنين، وبيوت الحجر كانت موجودة في تلك الفترة في مساكن الحكام والحصون المنيعة، وانتشرت بيوت الحجر بعد ذلك بفعل التجارة البحرية والاحتكاك مع البلدان الأخرى وتبادل الخبرات.

طباعة Email