جـذور

الإمارات في مجلة «البعثة» الكويتية

بدأتْ الكويت إرسال طلبتها للدراسة في مصر منذ عام 1939، وهناك تشكّلتْ أول نواة للتجمّع الطلّابي الكويتي في الخارج، المطّلع على الصحافة المصريّة بما فيها من تجاذبات فكريّة واختلافات سياسيّة.

كما تمكّن هؤلاء الطلبة من تلمّس طريقهم في الكتابة الصحافيّة ثم مع مرور الوقت، أتقنوا عملهم الصحافي، وسمّوا إصدارهم الصحفي الجديد «البعثة»، واختيار هذا الاسم له واقعه المعنوي والحسّي؛ أوّلاً: للدّلالة على البعثة التعليميّة الكويتيّة في مصر. وثانياً: للدّلالة على كونها نشرة ثقافيّة تصدر عن بيت الكويت بمصر، تحت عنوان: «البعثة نشرة ثقافية تصدر عن بيت الكويت بمصر».

وقد صدر العدد الأول من المجلّة في شهر ديسمبر 1946. وتوالى صدورها على امتداد ثمانية أعوام متصلة، واعتُبرتْ رمزاً لجيل كامل من الرعيل الأول من أبناء الكويت الذين حملوا لواء العلم والحداثة والنهضة، والتنوير والثقافة والتواصل الحضاري.

ولهذا عملتْ المجلّة عبر كلمات كتّابها، وتعليقاتهم، ومقالاتهم، وإخبارهم بأحوال بلدهم الكويت على إشاعة المعرفة والاطّلاع حتى أصبحت عبر صفحاتها ساحة للقاء الفكري والثقافي والإبداع الأدبي والشِّعري.

ولم تكتفِ المقالات فقط بأخبار الكويت بل شملتْ قضايا العرب والمسلمين، فكانت سنداً وداعماً لحركات التحرير والاستقلال، وفي الوقت نفسه كانت ميداناً للحوار والجدال البنّاء بين الأدباء والنّقاد والشّعراء. كما اهتمّتْ البعثة بشؤون البيت والأُسرة والرياضة.

وقامتْ بتغطية زيارات المسؤولين الكويتيّين للقاهرة، وبيت الكويت. وكتب فيها كثيرون من أعلام الكويت في السياسة والتربية والاقتصاد والتاريخ والأدب والفنّ والجغرافيا والفكر الاستراتيجي. من أمثال:

عبد العزيز حسين، وحمد بن عيسى الرجيب، وصالح بن محمد العجيري، وعبد الله بن زكريا الأنصاري، وعبد الله بن علي الصانع، وأحمد بن مشاري العدواني، وجاسم بن عبد العزيز القطامي، وبدرية بنت يوسف الغانم، وغيرهم كثير. ومن حُسن الحظّ أنّ مركز البحوث والدّراسات الكويتيّة قام بجمع شتات أعداد هذه المجلّة كاملة، وأصدرها في قرص مدمج.

أخبار الإمارات

حاولتُ متتبّعاً الإشارات الواردة في مجلّة «البعثة» حول الإمارات، والأخبار ذات الصّلة بها، وتمكّنتْ من استخلاص ما أضعه بين يدَي القارئ.

أول إشارة إلى مدن الإمارات كانت عند الحديث عن خطّ الطيران بين الكويت والبصرة، وفيها: «أصبح خطّ الطيران بين الكويت والبصرة منتظماً كلّ يوم. وإلى جانب هذا الخطّ، هناك طائرة كبيرة خطّها:

بغداد - البصرة - الكويت - البحرين - الشارقة، مرّة كل أسبوع. (مجلّة البعثة، العدد الرابع، السنة الثانية، جمادى الآخرة 1367هـ، مايو 1948، ص. 86). ثمّ إشارة عابرة إلى مدينة دبي حين الحديث عن مرشد العصيمي، كونه أحد رسل الكويت في خارج الإمارة. في مقال عبدالله بن عبد اللطيف المطوع، «رسل الكويت في الخارج»، (العدد السادس، السنة الثانية (رمضان 1367 هـ /‏‏‏ يوليو 1948 م)، ص. 139).

هنا الكويت

وتحت عنوان «هنا الكويت»، نشرتْ الأهرام في 27 مايو 1949 لمراسلها في لندن الخبر التالي: بعنوان «مشروعات لندن في الكويت. اتخاذها مصادر لزيادة الإيرادات في الميزانية»: عاد إلى لندن المستر برنارد بوروز (Bernard Burrows)، رئيس القسم الشرقي في وزارة الخارجية البريطانية بعد أن زار الكويت والبحرين وعمان. (مجلة البعثة، العدد السادس، السنة الثالثة (شعبان 1368هـ، يونيو 1949م)، ص. 183).

طلائع بعثات الكويت إلى مصر

كان منهم الشيخ الحكيم مساعد بن عبد الله البريكي العازمي (1850 - 1943) أول طبيب كويتي. حيث غادر الكويت في عام 1885 إلى مصر، ودرس بالقاهرة وأتقن بصفة خاصة فنّ التطعيم ضدّ وباء الجدري الكريه.

وبعد أن مكث بضع سنوات رجع إلى وطنه في نحو سنة 1300 هجرية، أو قبل ذلك بقليل، فأفاد وطنه فائدة جليلة في مكافحة هذا المرض الذي كان منتشراً في تلك العهود بشكل فظيع. ويتمتّع هذا الشيخ بروح خفيفة، وتخلّص مدهش في المواقف الحرجة. وذُكر أنّ هذا الشيخ الطبيب أقام في رأس الخيمة، وأخذ يبثّ بين الأهالي فائدة التلقيح ويذكرهم بالأخطار التي تتهدّد أطفالهم، وهناك تزوج وأنجب ابنة وهي أول مولود له.

ومن الجدير بالذِّكر أنّ هذا الشيخ الطبيب بعد سنوات قليلة غادر رأس الخيمة إلى الأحساء، ومنها سافر إلى الكويت في عهد الشيخ محمد بن صباح الصباح.

وأقام فيها مدّة ثمّ غادرها إلى البحرين وأقام فيها إلى سنة وفاته في 1362 هـ الموافق 1943 م، وعمره نحو 93 عاماً. أمّا وجوده في رأس الخيمة فهو أمر لافت للنظر حسب ظنّي، ولا أدري متى كان هناك، ومن المحتمل أنّه عاصر أواخر حكم الشيخ حميد بن عبدالله بن سلطان بن صقر القاسمي، المتوفّى في 3 ربيع الآخر 1318 هـ الموافق لــ2 أُغسطس 1900 م.

وقد أخبرني الأستاذ علي المطروشي أنّ المؤلِّف يوسف بن محمد الشريف، صاحب كتاب الحوليّات، قد ذكر أنّ خالد بن صقر بن خالد بن سلطان بن صقر القاسمي قام بأخذ التطعيم، ولا يُستبعد أنّ مَن قام بتطعيمه هو الطبيب العازمي.

شاعر في دبي

في العدد الخامس، السنة الرابعة (شعبان 1369 هـ /‏‏‏ مايو 1950 م) ص. 203. ورد أنّه كان للشاعر الشّعبي إبراهيم الخالد صديق شاعر قديم وهو سيّد إبراهيم من سكّان بلدة الحِدّ في البحرين، انتقل من بلده البحرين إلى دبي في عام 1950، وكانت له زوج يحبّها ويشقّ عليه فراقها، فنظم أبياتاً أرسلها إلى صديقه يشكو ما به من غربة، ويصف أشواقه فردّ عليه إبراهيم الخالد بقصيدة جميلة.

تأبين أمير

ورد في مجلّة البعثة في مقال كتبه عبدالله بن علي بن حمود الصانع في المجلد الخامس، السنة الخامسة (1951م)، ص.167. ونقتطف منه بعض ما ورد فيه:

أَعينيّ ما بعد ابن صقر ذخيرة فجودا إذا أنفدتما الماء بالدم

في 20 جمادى الثانية نقلتْ إذاعة لندن خبر وفاة حاكم الشارقة الأسبق الشيخ سلطان بن صقر القاسمي. وكان -رحمه الله- قد قدم إلى لندن قبل وفاته بأيام، بعد أن قضى ما يقارب عامين في مدينة بومباي للعلاج. وقد واجه المرض بصبر وجلد، وكان كثيراً ما يكتب بيده وهو على فراش المرض، حيث كان يكتب لأولاده وإخوته وأصدقائه، وكان من المولعين بالشِّعر الدارج.

كما أن له مجموعة من مختارات الشعر العربي تشف عن سعة اطلاعه في الأدب، وكانت له همة كبيرة في اقتناء الكتب، إذ هو الوحيد الذي اهتم بجمعها، وتحتوي مكتبته على مجموعة ذات قيمة من الكتب القديمة والحديثة.

وقد أطلعني نجله الأكبر الأمير صقر على مجموعة من الرسائل التي تنطوي على شِعر جيّد ضمّنه حكماً ونصائح ترسم له خطة الرجل الذي يترتب عليه تحمل أعباء الزعامة في حياته. وقد وافاه الأجل عن عمر يناهز الخمسين عاماً.

رحمك الله يا أبا صقر لقد ذهبت وما علمتك إلا من خيرة الشيوخ العاملين بالمعروف والناهين عن المنكر.

أمّا كاتب مقال التأبين فهو أديب وشاعر وسياسي وعالِم بالأنساب ومؤرّخ كويتي معروف، وُلد في عام 1902م وتوفّي في 17 فبراير 1954. وكان على علاقة طيّبة بالشيخ جابر العلي الصباح، وهو الذي أطلق عليه اسم أديب الكويت وسفيرها في الخليج، والشيخ صقر بن سلطان القاسمي، حاكم الشارقة الذي أهداه خنجراً مذهّباً في الثلث الأول من القرن العشرين نظراً لأعماله الجليلة آنذاك.

الخلاصة

هذا ما وجدتُه عن الإمارات في مجلّة البعثة.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات