الفريج.. نسيج المودة على جدار الذاكرة

الفريج اسم أطلق على الحي السكني التقليدي في المجتمع الإماراتي القديم، وكان يتميز بالعلاقات الاجتماعية المتينة التي تسود بين سكانه وتقوم على التراحم والاحترام والود، فهو أساس الترابط والتقارب، حيثُ الجيران يعرف بعضهم بعضاً، مهتدين بهدي الإسلام الذي حثَّ على حق الجوار، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه»، وعُرْف عن الفرجان أنها لم يكن بين أهلها للغرباء والعزاب مكان، ما ساعد على توافر الاستقرار والأمن لقاطنيها، ومن الفرجان المعروفة في بر دبي: الشندغة والرفاعة والفهيدي، وفي ديرة: فريج الشمال والضغاية وعيال ناصر.

تسمية

أتت تسمية «الفريج» من كلمة فريق، لكون المجتمع الصغير فيه يشكل فريقاً واحداً مترابطاً، وفي بعض الأحيان كان يعرف «الفريج» باسم القبيلة التي تقطنه مثل فريج المرر، أو العائلة مثل فريج عيال ناصر في ديرة، وأحياناً كان يستمدُّ اسمه من العمل السائد عند قاطنيه مثل فريج الضَغَايه الذي يقوم أهله بمهنة صيد السمك وتعرف محلياً بـ«الضَّغْو» أي صيد سمك السردين «العُومة» بالشباك، وقد ينسب إلى صفة المكان مثل فريج الرفاعة، لأنها كانت منطقة مرتفعة عن مستوى سطح البحر.

تشكيل

يتميز الفريج بأزقته الضيقة الواقعة بين المباني، وكان يُطلق عليها «السكيك» جمع سكة، وكانت هذه السكك ضيقة توفر الظل أغلب أوقات اليوم للمارين، وأيضاً لزيادة سرعة هبَّات النسيم فيها. أما المباني فكان بعضها مبنيّاً من الأحجار المرجانية وبعضها من سعف النخيل، كما وجدت بعض الساحات، وهي أماكن للتجمع مثل ساحة العرصة، وكان «الفريج» يضم مسجداً أو أكثر للصلاة، حيث يلتقي أهل الفريج خمس مرات في اليوم والليلة، كما أن في الفريج بقالة لبيع الاحتياجات اليومية، إضافة إلى المخبز، وكان الناس يتزودون بالماء إما عن طريق السقائين الذين يجلبون الماء العذب من الآبار التي كانت تقع في المناطق القريبة مثل المنخول في بر دبي وأبوهيل في ديرة.

دور مهم

لعب المسجد دوراً مهماً في التواصل والترابط الاجتماعي بين أفراد الفريج، فكان أساس التعارف والوّد بينهم والتعاون في حل المشكلات، ويتفقد روّاد المسجد من لمْ يحضر الصلاة فيزورونه إن كان مريضاً، كما كان الأطفال يرتادون المسجد لحفظ القرآن.

حياة اجتماعية

اعتاد سكان الفريج على التواصل في المناسبات الاجتماعية المختلفة مثل أيام العيدين «العيد العُود والعيد الصغير» والأعراس، وفي شهر رمضان المبارك، حيث يتبادل الأهالي الأكلات الشعبية قبل أذان المغرب، كما يقوم سكان الفريج بتقديم واجب العزاء عند وفاة أحد أفراد الفريج، أي أنهم يتعاونون دائماً في السراء والضراء، أما نساء الفريج فيجتمعن يومياً في أحد البيوت وقت الضحى، وذلك لتبادل الأخبار والأحاديث وشرب القهوة وتناول التمر وتسمى (الضحوية).

معاصرة

مع النهضة الحديثة التي شهدتها إمارة دبي، فقد «الفريج» جزءاً من روحه المُتميزة ونمطه المعماري، حيثُ تحولت الفرجان إلى مناطق سكنية كبيرة، وتحوَّلت الأزقة إلى شوارع، ومع ذلك فإن المناطق التراثية ما زالتْ تُثير ذكريات الماضي، فتذكِّر الناس بالقيم التي كانت سائدة في الفريج قديماً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات