35 قصيدة ملونة بالحروف والصور في حب أصيلة

بعد 20 عاماً على مشاركته السنوية في موسم أصيلة الثقافي الدولي، وإبداعه الجداريات، أراد الفنان التشكيلي والحروفي السوري خالد الساعي، أن يظهر في الدورة الخريفية للنسخة السادسة والاربعين من الموسم، بإطلالة خاصة، يكشف فيها عشقه لهذه المدينة ومعالمها وساكنتها من خلال معرضه الفردي " جناح الزرقة وشرفة المخيلة" الذي يستمر لغاية 31 ديسمبر من العام الجاري.

المعرض الذي يحتضنه رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة في مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية في المنطقة القديمة بمدينة أصيلة هو نتاج سنوات عدة من الأعمال التشكيلبة والحروفية للفنان في حب مدينته المفضلة أصيلة، حيث جميع الأعمال المعروضة المتمثلة بخمس وثلاثين لوحة مستلهمة منها وتصب في بحرها.

من المعروف عن مدينة أصيلة انها احدى اهم حواضن الفن في العالم العربي و شمال افريقيا لما لموسمها الثقافي من سمعة عالمية تكرست عبر 46 عاماً. وكان خالد الساعي قد دأب على زيارتها باستمرار. زيارة العاشق الذي التبست عليه المدينة بالمحبوبة.

ويمثل المعرض تداعيات وتشظيات علاقة الساعي بالمدين إذ يشكل المعرض ذاكرته الشخصية والوجدانية عن المدينة.

وجاءت الأعمال بقياسات كبيرة ومعظمها على القماش والورق وبتقنيات مختلفة ومتنوعة من الالوان المائية والأحبار إلى الاكريليك والباستيل، بينما برزت تقنية الكولاج التي ظهرت في معظم اللوحات المعروضة.

تجربة من العمر

يقول الفنان خالد الساعي: إنه المعرض الفردي الأول لي في المغرب، وفكرته أصيلة المدينة والتاريخ وفوق ذلك ذكرياتي فيها على مدى عشرين عاماً.. هي بمعنى من المعاني تجربة من العمر. فأحياناً كنت أمكث في ربوعها لثلاثة اشهر، وقصدتها في جميع الفصول، وتنقلت في نواحيها، وعلاقتي مميزة مع أهلها فهم يعتبرونني منهم وأنا بشكل أو بأخر أعتبر نفسي من أبنائها.

المدينة كعلاقة حب. وليست كعمارة وتاريخ. فيها التقيت بعض الملهمات. فغدت المدينة لها بعد المعشوقة الأنثى، وهي ليست امراة واحدة فحسب.

اللوحات في المعرض كلها عن المدينة. استلهمت عمارتها وجمالياتها الخاصة وأمسياتها الليلية في المقاهي والبيوت، وحاولت رسم موسيقى "الغناوة" واستلهام أصوات آلاتها الغريبة الإيقاعيّة والوترية. وأمسيات الطرب الأندلسي في مقهى "ازريرق" المحاذي لميناء الصيادين. كما حاولت استلهام اصوات المارة والناس العاديين وأصوات موج بحرها وطيورها..

امشي في حواريها وساحاتها على خطى تشيكايا أوتامسي، ومحمود درويش ومحمد بنيس وآدم حنين وفاتح المدرس ومحمد المليحي... وغيرهم ممن مروا على هذه المدينة.

نصوص في متن اللوحة

يرى خالد الساعي المدينة بكل تراكم ذكرياتها في ذاته، ودورها في صياغة أعمال هذا المعرض الخاص.ويقول إن النصوص المستخدمة لا تنتمي لشاعر محدد أو كاتب محدد بل هي بمثابة نصوص تراكمية لعدد غير محدد منهم، وفي النص الواحد قد تختبي نصوص لعدد من الكتاب.

لكن لكل لوحة ثيمة. و نص ما. فمثلاً ؛ نص يشير إلى المدينة على أنها لؤلؤة في المحيط. وهنا جرت استعارة من مخطط المدينة من الفضاء. "مخطط المدينة" تحول إلى حروف صنعت حارات وبيوتاً وجميع المناحي في معمار المدينة.

وهنا لوحة أخرى. اسمها خطى في القريقيّة (القريقية هي جزء بارز من المدينة القديمة. مثل منطقة مراقبة عالية).

في هذة اللوحة تناوب عمران المدينة مع الحروف الكبيرة والصغيرة والتي صارت جزءاً من العمران المقترح.

وهناك لوحة اسمها موسيقى الغناوة (وهي موسيقى أفريقية) حاولت فيها تصوير ألوان موسيقى الغناوة. ورموزها و دلالة ألوانها. الاخضر والأسود والأحمر والبرتقالي.

إضافة جديدة للحروفية

ويمثل المعرض إضافة كبيرة لتجربة "الحروفية". حيث نقلها الساعي إلى مصاف اللغات التشكيلية العليا، لتكون ضمن خارطة الفن العالمي المعاصر. إذ اشتغل على دفع السياقات البصرية والمنظومات الحروفية إلى مستويات غير مسبوقة، وكرّس تجربته كأحد الرواد والمجددين في هذا المجال.

وتضمن المعرض عملاً وحيداً بتقنية الفيديو انستاليشن (video installation) أعده الفنان محمد بديع البوسوني، تكريماً لتجربة الفنان خالد الساعي.

ويمثل شريط ذكريات للجداريات التي نفذها الساعي في السنوات السابقة على جدران هذه المدينة، ومنها جدارية المغرب (تعاطفاً مع ضحايا الزلزال الذي ضرب اقليم الحوز). وجدارية "ربيع المغرب" وجدارية "الموجة"؛ وغيرها..

كلمات عن "جناح الزرقة"

قدم كتاب المعرض كل من البروفسور الإسباني خوسيه ميغيل بويرتا من جامعة غرناطة، والفنان والباحث المغربي بنيونس عميروش.

يقول بويرتا في جزء من تقديمه: "فن الساعي فن متحرر من الترميز الشكلي والمفاهيمي ومن التقليدي ومبني على عصرنة كاملة ونَفَس دائم التجديد، وهذا الفن يدعونا إلى تجربة جمالية فريدة من نوعها تتضافر بها أخوة الشرق والغرب العربي والإسلامي بفضل الصلة الوجودية والملهمة مابين أصيلة والخطاط التشكيلي السوري".

ومن كلمة الناقد الجمالي عميروش نقتطف:

"يجمع الفنان خالد الساعي بين الحِرَفية والحِسّ الثقافي، مثلما يشتغل على الثيمات التراثية والتاريخية والشعرية وغيرها، ينجز أعماله من منطلق الحس المكاني، لتتخذ أعماله الجو والخصائص البصرية التي يتواجد بها، ويُهَندس تشكيلاته من داخلها، أينما حَلَّ في بِقاع العالم. وهو الوعي الذي يضعه في دائرة الضوء.

كأحد الفنانين التشكيليين العرب الذين دفعوا بــِ "الحُروفية" و"الاشتغال على الحرف العربي" إلى مصافّ التجارب المُعاصرة الراهنة، دون أن يُفَرِّط في جوهر التراث والأصالة، ودون أن ينفصل عن المساحة التصويرية، بينما بات يمشي ويرتحل حاملا معه "بيته الدمشقي" على الدوام".