أصبح النشر الرقمي في السنوات الأخيرة واحداً من أهم محركات النمو الاقتصادي في دبي، إذ تسعى الإمارة ممثلة بمجموعة من الجهات المعنية، إلى تعزيز هذا القطاع الحيوي من خلال توفير العديد من الحوافز والمزايا التي تدفع بالأفراد والشركات والمبدعين إلى الاستثمار في مجال النشر الإلكتروني. وهو ما يعزز أهميتها ودورها القيادي في الحقل، بالمنطقة، حيث ترسم خريطة نجاحات القطاع، بموازاة رفدها مقوماته وقدراته على الصعيد العالمي.

وفعلياً، تعد دبي بيئة مثالية لنمو وازدهار قطاع النشر الرقمي، بفضل ما توفره من حوافز وتسهيلات حكومية ولما تختطه وتتبناه من خطط عمل استراتيجية في الصدد، بجانب البنية التحتية الرقمية المتطورة، والكفاءات البشرية المتخصصة، علاوة على العوامل العديدة الأخرى التي تجعل الإمارة وجهة مفضلة للشركات والمبدعين في مجال النشر الإلكتروني لتحقيق النجاح والنمو.

ويرى المتخصصون في الحقل، في أحاديث وتصريحات خاصة بـ «البيان» وفي مناسبة انطلاق الدورة الثالثة لملتقى النشر الرقمي، اليوم، في متحف الاتحاد، أن الإمارة وفرت العديد من السياقات المحفزة في هذا المجال، حيث تقدم مجموعة متنوعة من التسهيلات لدعم النشر الرقمي، بموازاة جملة تسهيلات نوعية أخرى.

ملامح ومكانة

تؤكد الكاتبة إيزابيل بالهول، الرئيسة التنفيذية لمهرجان طيران الإمارات للآداب، وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، أن النشر الرقمي أحد أذرع النشر العصرية العديدة، وبدأت ملامحه تتشكل في صيغتها المتكاملة مع تحول الصحف والمجلات الورقية إلى عوالم النشر الصحافي الرقمي، وذلك بينما كانت حركة تحول الكتب إلى الفضاءات الرقمية لا تزال بطيئة نوعاً ما، مشيرة إلى أن النشر الأدبي الرقمي راح يتنامى بخطوات مهمة، خصوصاً في دبي والإمارات، إلى أن تشكل في وجهة وصيغة جيدة مجدية تكللت نهاية بنجاحات نوعية.

وتابعت إيزابيل: نرى، حالياً، نوعاً من التوازن بين الكتب الصوتية (التي تمثل أحد سياقات النشر الرقمي) والأخرى المطبوعة، ذلك كون فوائد الكتب المسموعة كثيرة ويمكن سماعها في أي مكان وأي وقت، حتى في السيارة خلال التنقل باستخدامها، من مكان إلى آخر.. أو في أثناء ممارسة الرياضة وغير ذلك.

وقالت: «يتبدى لنا جلياً، على صعيد دبي ودولة الإمارات، أن هناك نقلة نوعية في المجال، خلال السنوات الثلاث الماضية، وزيادة في نشر وانتشار الرقمية (خاصة الكتب المسموعة) على الرغم من وجود الكتب المقروءة. وهذا عائد بشكل أساسي إلى انتشار ورسوخ ثقافة حب القراءة في المجتمع، وكذا حرص الجهات الحكومية والخاصة المعنية في دبي والإمارات، على مواكبة تقنيات العصر الأحدث في هذا الميدان».

ولفتت بالهول، إلى أهمية المقومات والحوافر الكبيرة في دبي ضمن هذا الحقل، ما جعلها رائدة وتقود وتلهم في قطاعاته.

واقع وآفاق

من جهته، يرى الأديب محمد الحبسي، مدير إدارة الآداب في هيئة الثقافة والفنون في دبي، أن النشر الرقمي لا يزال في بدايات المشوار كون الطريق طويلة، وينتظره الكثير من المحطات التطويرية النوعية، والتي لا بد أنها ستكون في وتيرة رفيعة المعايير والمستوى في إمارة دبي، الملهمة دوماً في قطاعات العمل الإبداعي والثقافي، كما في سواه.

وأضاف: لا شك ههنا، أننا معنيون بضرورة التفريق بين النشر الإلكتروني والرقمي، فالإلكتروني موجود منذ زمن والعديد من الجهات والمكتبات لديها نسخ «بي دي أف» تنشرها، ويمكن قراءتها في أي وقت ومكان، لكن البعض يسميها رقمية وهي ليست كذلك، فالنشر الرقمي مختلف تماماً، فهو ليس مجرد نص مكتوب بل هو وسائط صوتية وألوان وأداء حركي وهو عالم منفرد، وفي دبي بشكل خاص والإمارات بشكل عام. نعم هناك نشر ورقي وكلاسيكي ارتقى إلى الإلكتروني، وإلا أنه يجدر بنا التميز بين هذه الميادين.

وهو ما يتصدى له هذا الملتقى الخاص بالنشر الرقمي الرامي إلى تسليط الضوء على مفاهيم وعوالم النشر الرقمي، وتثقيف الناس بشأنه، وما هي الأدوات والتحديات التي تواجه المجال ويتعين أن نتجاوزها، وأن نضع منهجيات وسياسات مع الشركاء الأساسيين لخلق نشر رقمي آمن، من بينها خبراء الأمن السيبراني والملكية الفكرية والحوكمة.

وقال الحبسي: «إن دبي، وبفضل استراتيجيتها وحرصها على أن تكون عاصمة الاقتصاد الإبداعي، تعي جيداً أهمية النشر الرقمي في تغذية سياقات هذا التوجه (الاقتصاد الإبداعي)، لذلك هي تعتني به وتمكنه وتحفزه منذ زمن، مستفيدة من مقوماتها وما تمتلكه من قدرات في الصدد».

ريادة

يشدد الكاتب والإعلامي ضرار بالهول الفلاسي، على أن دبي تعد من أهم المدن العالمية في مجالات الأمن السيبراني، ولديها بنى تحتية متطورة جداً تعزز قدراتها ونشاطاتها المؤثرة والبارزة دولياً في ميادين الإعلام الرقمي، وكذا ممارسات النشر الأدبية والثقافية، الرقمية. وبطبيعة الحال، فإن منظومة التشريعات والبنية التحتية المُمِكنة، التي توجد في دبي ودولة الإمارات، ضمن هذا الميدان، تمثل رافعة أساسية لنجاحاتنا ضمنه.

واستطرد: «ليس خافياً أننا بلغنا مستويات متقدمة في مجالات النشر الرقمي، ولكنني شخصياً، ككاتب، ومعي مجموعة من المبدعين، أطمح لأن أرى المزيد من صناع المحتوى الإماراتيين المتخصصين، وكذا لتحقيق قفزات نوعية إضافية في النشر الرقمي، ونحن بلا شك على الطريق الصحيح والمناسب».

بيئة مثالية

يوضح الكاتب والناشر جمال الشحي، أن دبي تمتلك بيئة رقمية احترافية ومميزة تساعد صانعي المحتوى والناشرين على النشر الرقمي النوعي والبليغ في مديات تأثيراته، فكل أصحاب صناعة النشر ضمنها لديهم خيارات كثيرة في نشر نتاجهم الفكري والأدبي والتأثير، وهو ما يرفد فعلياً واقع تطور صناعة النشر بذاتها بشكل مذهل في دبي ودولة الإمارات، إذ باتت تحظى بإمكانيات وأوجه دعم ضخمة، خصوصاً في ظل التكنولوجيا وتأثيرات الذكاء الاصطناعي. ولا جدال في هذا المقام، في أن معرفة الناشرين وأصحاب المحتوى بشكل جيد بممارسات وفنون النشر الرقمي وآلياته وقوانينه ومعاييره ومحدداته، لهي حاجة ماسة.

وختم الشحي: تحوز دبي كل الإمكانيات لخلق بيئة آمنة وصحية للنشر الرقمي وللتطور في هذا المجال، وفي ظني فإنها ستبدع وتلهم الجميع في هذا القطاع، كما فعلت في غيره.