لا شك أننا نعيش في عالم يعج بالغرائب وعناصر الدهشة، التي تحملها لنا التكنولوجيا والتطور السريع والذكاء الاصطناعي وغير ذلك من الوسائل الحديثة، التي تنقلنا كل يوم إلى ما لم يخطر ببالنا، وربما إلى ما لم نتخيل الوصول إليه. ولعلّنا بتنا مثل «أليس» الشهيرة، التي انتقلت إلى «بلاد العجائب» في تلك القصة الكلاسيكية، التي تعود إلى العام 1865، وما زالت تتطور إلى يومنا هذا في طريقة السرد والعرض والمعالجة.
عرض «أليس في بلاد العجائب»، حط الرحال في دبي خلال هذا الصيف في عروض خاصة بديعة، مزجت بين الموسيقى والمؤثرات الصوتية والتقنيات الحديثة، ثلاثية ورباعية الأبعاد، في مشاهد تأسر قلوب المشاهدين، كباراً وصغاراً، في عروض مبهرة على مسرح «تودا»، في مدينة جميرا بدبي، تستمر حتى نهاية أغسطس الجاري.
ومن المعروف أن رواية «أليس في بلاد العجائب»، التي كتبها للأطفال عالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز دودسون، تحكي قصة فتاة تدعى «أليس» تسقط في جحر أرنب، يقودها على طول القصة إلى عالم خيالي غرائبي، وسط الدهشة والاستغراب، إذ تقابل خلال الحكاية مخلوقات غريبة، وتكتشف أن الكائنات من زهور وشجر وحيوانات، يمكنها التواصل، وتجيد الكلام، فتتفاهم معها كأنها كائنات بشرية.
تمت ترجمة هذه الرواية إلى أكثر من 174 لغة، من بينها العربية. ومنذ صدورها، صاحبتها مسرحيات وأفلام عدة، كل منها تروي الخيال بطريقة متفردة، جاذبة الصغار والكبار دون استثناء، في موازاة غريبة ومدهشة بين الحقيقة والخيال.
تفاعل ومرح
تبدأ الحكاية بـ«أليس»، الفتاة التي تشعر بالملل بينما هي تقرأ كتاباً لا صور فيه ولا خيال أو حتى حوار، متسائلة ما الفائدة من كتاب كهذا، فيتراءى لها أرنب يمر راكضاً أمامها، ويدفعها فضولها إلى اللحاق به، مشدودة على نحو غامض إلى محاولة إدراكه، لكن ملاحقة ذلك الأرنب تأخذها إلى جحر، ينفذ إلى عوالم سحرية ومدهشة لم تألفها، ومن هنا تبدأ المغامرة.
تتعالى أصوات الأطفال المتواجدين في قاعة العرض بعفوية شديدة، بينما هم يضحكون على هفوات «أليس»، أو حينما يتفاعلون مع المفاجآت التي تواجهها على مدار الرحلة.
وهكذا، في المسرح الذي يبدو جزءاً لا يتجزأ من الحكاية. ويعزز ذلك، أن الأشجار والفراشات التي يركض أطفال لملاحقتها، تمتد على سقف المسرح وجدرانه، وتبدو حقيقية تماماً بفضل المؤثرات الخاصة. تتعالى ضحكات المشاهدين الأطفال عندما تبدأ الكائنات الغريبة بالحديث مع «أليس». ويشد انتباههم «الأرنب»، و«القط الباسم»، و«الزهور»، و«أوراق اللعب»، و«الملكة الشريرة»، التي لا تتوقف عن الأمر بقطع رأس كل ما تراه أمامها، حتى ولو كان ذلك شيئاً أو كائناً لا رأس له.
يتماهى المشاهدون الأطفال مع العرض، ويقفزون على المسرح راقصين مع ألحان العرض في مشهد يعكس مدى تفاعلهم وتجاوبهم مع القصة، التي تبدو حقيقية أمامهم، وتشعرهم بأن عليهم تأدية دورهم الخاص في مساعدة «أليس».
رسائل عميقة
ليست القصة وحدها، ولا المؤثرات الصوتية والبصرية، هي ما يميز العرض، بل الرسائل المبطنة والعميقة التي يتم توجيهها للأطفال بشكل ذكي سيرسخ بلا شك في عقول الأطفال ويكبر معهم، ليعيد تشكيل العديد من المفاهيم، التي فرضها التطور السريع على الإنسان المعاصر، ففي أحد المشاهد نرى الأرنب يضع نظارة الميتافيرس ويعيش عالمه الخيالي، بعيداً عن حفلة الشاي المقامة، التي يستمتع بها الجميع.
وفي رحلتها تتوقف «أليس» لتسأل الأرنب عن كيفية الوصول إلى هدفها، فيجيبها بجملة عميقة: «إذا مشيت بما يكفي، ستصلين حتماً إلى هدفك».
وهذا ما تفعله «أليس»، وتواصل مشوارها رغم كل التحديات التي تواجهها، ومن بينها الملكة الشريرة التي تأمر الحراس بقطع رأس كل من يزعجها، فتحاول أليس إيقافهم ثم تتساءل عن أسباب تجاوب الجميع معها، ليجيبها صوت الأرنب: «هذا عالم خيالك، ويمكنك تغيير الواقع كلما غيرت طريقة تفكيرك»، فتتجاوب مع ذلك ويتحول قلب الملكة الشريرة لتصبح طيبة تحب الجميع.
تستفيق «أليس» في نهاية العرض لتجد أنها كانت تحلم ربما، وتتيقن عندها أن بإمكانها تغيير واقعها وحياتها والملل الذي تشعر به، وتقول للحاضرين: «انظروا للمرآة وآمنوا بأنفسكم».
كواليس المشاهدين
خلف الكواليس تم تخصيص مساحة للمرح واللعب للأطفال الحاضرين، يلونون، ويرسمون، وأيضاً يلتقطون صوراً تذكارية مع اللوحات التفاعلية التي تملأ جدران تلك المساحة بمشاهد من العرض. هناك، التقت «البيان» عدداً من هؤلاء المشاهدين الصغار لمعرفة ما الذي يعتبرونه مميزاً في هذا العرض عن غيره من العروض التي سبق وأن شاهدوها للقصة نفسها.
وهنا، أشارت الطفلة شمة المري، ذات الأعوام التسعة، إلى أنها أحبت كثيراً اللقطة التي غضبت فيها الملكة الشريرة على القطة الباسمة، مؤكدة أن ذلك دفعها للضحك كثيراً، وأضافت: هذا العرض أجمل بكثير من الأفلام السابقة التي شاهدتها لـ«أليس» فالأضواء والزهور والفراشات في كل مكان، جعلت الأمر ممتعاً أكثر.
وشاركتها الرأي الطفلة علياء عبدالله، ذات السنوات الثماني، التي أحبت العرض كثيراً، وخاصة عند اختفاء القطة الباسمة، لأن ذلك جعلها تضحك كثيراً وتتفاجأ بالأمر الذي أغضب الملكة الشريرة، مشيرةً إلى أنها على استعداد لمشاهدة العرض من جديد.
الطفل أحمد المري، ذو السنوات الخمس، أحب الثعلب أكثر من الشخصيات الأخرى، لأنه أضحكه كثيراً، مؤكداً أن هذا العرض أجمل بكثير من الأفلام التي شاهدها من قبل، خاصة أن المكان مليء بالحيوانات التي يحبها وشعر أنها تحيط به، ويستطيع التفاعل معها.




