كل ألوان الكون لا يمكنها أن تمحو الحزن من النفوس، لكنها حتماً تعبر عنه، وتخفف منه بطرق عديدة. ومن هذه الطرق الرسم، الذي هو الوسيلة الأولى التي لجأ إليها الإنسان منذ القدم لتوثيق رحلة حياته، فرحه، حزنه، حروبه وانتصاراته وربما هزائمه أيضاً.

الفنانة المكسيكية الراحلة فريدا كالو، صاحبة الشهرة العالمية، التي عرفت بلونها الخاص المتميز في الرسم والتعبير بطرق صريحة أحياناً، ومواربة في أحايين أخرى، عرفت كيف تتوجه إلى الفن التشكيلي بكل صدق لتوثق مشاعرها وما مرت به من صعوبات في حياتها، جعلتها تتعثر مرات عدة وتتمكن من العودة للحياة من جديد من خلال ريشتها.

واقع معزز

الخيانة والخذلان من الأحبة وأقرب الناس لها، هز جدران حياتها وكأنها وقعت كلها على رأسها، هذا ما ترويه على لسانها بشكل موارب، حين تحكي قصة حياتها في تجربة فنية فريدة من نوعها في دبي، تستعرض حياة الفنانة «كالو» ورسوماتها عن طريق الواقع المعزز والافتراضي، لتقف أمام جمهورها في مسرح «تودا» بفندق مدينة جميرا، كأنها حية ترزق، تروي بصوتها قصة نجاحها بعد الخيبات العديدة بدءاً من إصابتها في طفولتها بشلل الأطفال، الذي خلف إعاقة في رجلها اليمنى جعلتها تضطر لارتداء الجوارب الصوفية حتى في الصيف لإخفاء ذلك عن عيون الآخرين، ومن ثم تعرضها لحادث مروري في حافلة كانت تقلها في 1925 وجعلتها طريحة الفراش والألم لمدة عام كامل، دون القدرة على التحرك وممارسة حياتها الاعتيادية.

تروي كالو كيف بقيت ممددة في سريرها على ظهرها بمواجهة مرآة عملاقة ترى فيها نفسها طوال الوقت، تتحسر على حالها تارة، وتتمسك بالأمل تارة أخرى، ما جعلها تطلب أدوات الرسم من عائلتها لتوثق يومياتها بألوان فاقعة توضح حدة الألم وصعوبة الانتظار.

بانتهاء معاناة فريدا مع المرض ودخولها في حالة من الحب العميق الذي خصت به زوجها الرسام المكسيكي دييغو ريفيرا في 1929، الذي لم يكتف بها ووجه إليها طعنة مزدوجة، حيث خانها مع شقيقتها، تقول هنا: «وقفت أمام صورتين لي، متضادتين، واحدة أحبت دييغو والأخرى تحملت خيانته».

وهنا، في هذه اللحظة، يمتلئ المسرح برسومات الفنانة على الجدران والسقف، في عرض يمتد على 360 درجة، مصحوباً بالمؤثرات الصوتية والموسيقى أحياناً، وكذلك بصوت كالو، بينما هي تتحدث عن حياتها، في حين تتواصل عروض اللوحات والألوان بشكل ساحر يملأ الصالة بالمشاعر الفياضة، ما يجعل من زيارة المعرض تجربة فنية مذهلة، لا تتوقف عند قراءة قصة حياة فنانة ما، أو مشاهدة لوحة من لوحاتها، بل لتكتمل الصورة في مشهد بديع لعبت التقنية دوراً أساسياً في تشكيله، خادمة الفن والفنانين والمشاهدين أيضاً، على نحو لافت.

خيبات وزهور

تؤكد فريدا التي عاشت الكثير من الخيبات، أنه لو أتيح لها حرية أن تختار إعادة حياتها من جديد، لاختارت جمع الزهور والضحك على سخافات وتعليقات الآخرين باستمتاع دون أن تبالي كثيراً، في رسالة عميقة إلى مدى أهمية عيش اللحظة وعدم التفريط فيها بالحزن كثيراً.

وهنا، تتساقط الزهور الحمراء على جدران وسقف المسرح بشكل باهر، يعقبه لوحة لغزال يحمل رأس فريدا كالو، وهي مطعونة بالسهام في مختلف أنحاء جسدها، في مشهد لا يمكن المرور عليه بشكل عابر، أو دون التوقف ملياً عنده، وتأمل ذلك الجرح والسهم وكل ذلك الألم.

عروض يومية

ويجدر التنويه، إلى أن العروض الفنية الخاصة بالفنانة فريدا كالو تستمر حتى نهاية يونيو الجاري، فيما يقدم المسرح يومياً العديد من العروض المتواصلة والمتنوعة المنتقاة بشكل يرضي مختلف الأذواق والمشاهدين كباراً وصغاراً.