الذاكرة الشعبية نبع مهم من ينابيع التراث الإماراتي، فهي بمثابة المصنع للتراث، تتم فيها حفظ أنماطه وأدبياته. وأوضح عدد من أعضاء نادي ذخر بدبي ممن يعدون حراساً للذاكرة الشعبية، لـ«البيان»، أن استقبال شهر رمضان الفضيل له العديد من العادات، تبدأ بالاحتفال بليلة النصف من شعبان، أو ما يعرف بـ«حق الليلة»، التي تعد جزءاً من التراث الإماراتي الأصيل، الذي توارثته الأجيال، حيث يحرص الأطفال على استحضاره بارتداء أفضل ما لديهم من الملابس والطواف على بيوت الحي «الفريج»، حاملين أكياساً خاصة مصنوعة من القماش، ينشدون أغاني الأجداد «عطونا.. الله يعطيكم.. بيت مكة يوديكم»، ثم يتم شراء المير الرمضاني.
خير وتكافل
وأوضحت جنان ناصر أن الاحتفال بحق الليلة يعد جزءاً من المحافظة على التراث الإماراتي الأصيل، يهدف إلى بث قيم حب الخير والتكافل والتراحم في نفوس الأطفال، كما أنه يحث أفراد المجتمع على ضرورة التمسك بهويتهم الوطنية والحفاظ على عادات وتقاليد الآباء والأجداد.
وقال راشد محمد هاشم: «العادات الرمضانية في الإمارات لم يطرأ عليها تغيير تقريباً منذ أجيال، فكما كان الأمر سابقاً تبدأ الاستعدادات قبل أيام من الشهر الفضيل بتحضير مستلزماته، وتجهيز المجالس لاجتماع العائلة والجيران، ثم شراء وتجهيز «المير»، وهي عادة إماراتية أصيلة، تقدم فيها الهدايا للأهالي والأصدقاء، كنوع من صلة الرحم، لذا فإن المجتمع الإماراتي من أكثر المجتمعات تمسكاً بعاداته وتقاليده، وأكثر حرصاً على الحفاظ على تراثه وهويته الوطنية، وهو ما يظهر جلياً فيما يخص تلك العادات المرتبطة بشهر رمضان».
وأضاف: «في أيام رمضان، تجتمع الأسرة في بيت العائلة لتناول الإفطار، وعادة ما يكون بيت الجد، ويعد التمر خبز الصحراء وأشهر العناصر الغذائية التي تدخل في تحضير أصناف مختلفة من الحلويات الإماراتية في شهر رمضان، مثل القرص، وهي عبارة عن قطع صغيرة من الخبز مخلوطة مع التمر والهيل، ولا تخلو موائد الأسر الإماراتية في الشهر الفضيل من أطباق أخرى معروفة مثل: الهريس والثريد».
وقال محمد العبدولي: «تنتشر في الإمارات موائد الإفطار الجماعي، حيث يجتمع أهل الحي في مكان واحد للإفطار، فتأتي النساء جالبات ما صنعن من وجبات، حسب المقدرة، ويتشارك الجميع في تناول الأرز والهريس والمحلى والعصيدة واللقيمات، ومن الحلويات الخبيصة والبثيثة والخنفروش والبلاليط».
تقاليد مميزة
ويشير العبدولي إلى أن مدفع رمضان يعد من أبرز التقاليد المميزة للشهر الفضيل في دولة الإمارات، حيث يقوم المدفع بدور التنبيه لمواقيت الإفطار اليومية والإمساك، ويباشر في مناطق متنوعة عبر الدولة، لافتاً إلى أن هذا التقليد يشكل أهمية خاصة، لا سيما لدى الأطفال، فصوت «المدفع الكبير» يعني لهم المتعة والإثارة بصرف النظر عن الحلويات وغيرها من وجبات الطعام، والأنشطة الخاصة المجهزة لهم.
المسحراتي
«قم يا نايم قم.. قومك أخير من نومك»، بهذه الكلمات يطوف «المسحر» طوال شهر رمضان على البيوت من دون أجر أو ثناء، بحسب ما ذكر لنا عبدالله الشحي، الذي أشار إلى أن «المسحر» يعد أبرز ما يميز رمضان، ويسمى في بعض البلدان «المسحراتي»، وهو رجل نذر نفسه لتنبيه الناس بموعد السحور، يمر على البيوت حاملاً طبلاً صغيراً يطرقه وهو يردد هذه الكلمات.
وأكد الشحي أن رمضان هو شهر العبادة والفضائل والتمسك بالعادات والتقاليد، ويعتبره أهل الإمارات شهر الطاعة والمغفرة والكلم الطيب، والنفحات الإيمانية الطيبة، وهو شهر الخير والدعاء والاستغفار وقيام الليل، مشيراً إلى أن وجبة الإفطار كانت بسيطة خفيفة وكذلك السحور، فيتناول الصائمون التمر واللبن، ويذهب الرجال إلى المساجد وكل واحد منهم يحمل طبقاً أو مجموعة أطباق، وبعد انقضاء الصلاة يجتمع المصلون في رواق المسجد الخارجي، صغاراً وكباراً، ليتناولوا شيئاً قليلاً من المائدة العامرة، ويدعوا كل من يمر بهم أياً كانت جنسيته أو ديانته لمشاركتهم مائدة الخير والبركة. وأوضح أن زيارة الأهل والأقارب بعد صلاة التراويح تعد من أبرز ما يشتهر به رمضان في دولة الإمارات، إضافة إلى التسوق وشراء مستلزمات الأسرة واحتياجات عيد الفطر، إذ تتنافس المحال التجارية وتقيم مهرجانات التسوق والحملات التشجيعية الرمضانية.


