الكتابة الساخرة فن يجمع بين الهجاء والسخرية والنقد، يستخدم فيها الكاتب لغة خاصة للتعبير عن رؤيته النقدية لمواضيع مختلفة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية وغيرها، ويميزها عن غيرها الفكاهة والعبقرية في التوظيف، من خلال استخدام فن الكلمات واللعب عليها لتصبح القراءة بعدها ممتعة. ويعود أصل الكتابة الساخرة إلى العصور القديمة، حيث كانت تستخدم لإظهار الجور والاستغلال الذي يحكم المجتمعات، وكانت تعتمد على اللعب بالكلمات والتشبيهات الغريبة للتعبير عن الواقع بطريقة مبتكرة ومسلية.

وتعد الكتابة الساخرة وسيلة قوية للتعبير عن الانتقاد بمختلف المجالات، حيث يمكن للكتّاب الساخرين استخدام النقد اللاذع لاستهداف أشخاص أو أفكار أو للتعبير عن الاحتجاج والاستياء تجاه تصرفات غير مقبولة، وللتحذير من المسلوبات في المجتمع بشكل أكثر تشويقاً ومتعة، حيث يمكن أن تكون قوة السخرية في الأمور الجادة أكثر تأثيراً من التعبير المباشر.

يرى الكاتب الإماراتي ضرار بالهول الفلاسي صاحب كتاب «هوس المنصب» الذي صدر أخيراً، أن الكتابة الساخرة، والأدب الساخر من أرقى أشكال التعبير الإبداعي وأصعبها، وهناك فرق بين الكتابة الساخرة التي تتطلب فهماً عميقاً للمواقف والحالات العامة التي تعبر عنها، وبين كتابة الاستخفاف، والفرق يكمن ليس في الأسلوب فقط وإنما في الأهداف والغايات التي تقف وراء هذه الكتابة، كالفرق بين الكوميديا الناقدة الهادفة، وبين الكوميديا اللامسؤولة.

قواعد

وأضاف: «ومن هنا فالكتابة الساخرة لها قواعدها وأسسها، وهي فن عربي أصيل في ثقافتنا العربية وثقافتنا الشعبية، وهي من أكثر أشكال الكتابة استجابة من القارئ والمتلقي ومن أكثرها تأثيراً، لأنها تتبع أسلوب السهل الممتنع من جهة، ومن جهة أخرى ترتكز على المتعة في الأسلوب والتعبير، لذلك تحتاج إلى كاتب ذكي يدرك حقيقة المواقف التي يعبر عنها، ويدرك آلية النقد الساخر التي تتهكم من تلك المواقف أو المواضيع أو القضايا، وليس من الأشخاص، كما تتطلب الكتابة الساخرة ثقافة واسعة ومتشعبة وخاصة الثقافة الشعبية بخصوبتها التعبيرية بما تحمل من أمثال شعبية وحكم ومأثورات، يستدرجها الكاتب للتعبير عن موقف معين.

وأشار ضرار بالهول، إلى أن الكتابة الساخرة تعتمد على المفارقة بين اللفظ والمعنى، وأحياناً على التضاد، لترصد التناقض بين الأشياء وسلوكيات البشر وتعاملات الناس، ما يشكل حالة صدمة للقارئ، فتثير لديه المتعة والدهشة، وبالتالي تؤثر فيه أكثر من الكتابات الجادة بأسلوبها الأكاديمي الجامد على أهميتها.

وتابع: «هنا لابد من التأكيد على أن الكتابة الساخرة لا تعني السخرية والنيل من الشخصية إنما تعني في جوهرها النقد الهادف بأسلوب ممتع مؤثر يصل إلى كل شرائح المجتمع ببساطة وشفافية ومتعة فتنبه بشكل أو بآخر إلى خلل ما اجتماعي أو مؤسساتي، أو شخصي، دون الإشارة المباشرة إلى الجهة المقصودة، لأن الهدف ليس شخصاً بعينه أو جهة بعينها، وإنما الهدف من الكتابة الساخرة هو إيصال رسالة إلى من يمسه الأمر، حتى يظن أنه المقصود».

وأكد الكاتب ضرار بالهول، أنه يتعين على الكاتب الساخر أن يتمتع إلى جانب ثقافته الواسعة بوجهة نظر، وموقف من الحياة والفن والأوضاع المختلفة، فضلاً عن الموهبة التي تمكنه من بلورة موقف يستطيع التعبير عنه بروح خفيفة الظل، ثقيلة التأثير، فالسخرية نوع من التفكير النقدي في الآخر وفي الواقع، والسخرية التي أهدف إليها في كتاباتي هي خطاب نقدي يستهدف العيوب الاجتماعية والتجاوزات الإدارية لدى بعض المديرين، وذلك بهدف تقويمها وإصلاحها وفق مرجعية قيمية متفق عليها اجتماعياً.