احتضنت قاعة «الفن الرابع» وسط العاصمة تونس، جديد المخرج المسرحي الكبير الفاضل الجعايبي، مسرحيّة «آخر البحر»، التي اقتبس الجعايبي أحداثها من مسرحية «ميديا» التي ألّفها الشاعر اليوناني «يوربيدس» أربعمئة سنة قبل الميلاد، وأسقطها على الواقع العربي، وخاصة الواقع التونسي.
قصّة مسرحية «ميديا» تُعتبر من أعظم المسرحيّات الغربية وجزءاً من الذخيرة التراجيدية العالمية، وبعد إعادة صياغتها في العصر الحديث، أصبحت المأساة اليونانية الأكثر شيوعاً في القرن العشرين. القصّة الأصلية تعود لـ«ميديا» أميرة مملكة كولشيس «البربرية»، التي ساعدت حبيبها اليوناني «ياسون» على الحصول على الجائزة الذهبية من وطنها في شمال إفريقيا، وضحّت كثيراً من أجله.
قتلت من أجله أخاها وقطّعت جثته ثم ألقت بها في البحر لينشغل والدها الملك بجمع أشلاء الجثة، بينما تهرب هي مع «ياسون» ليتزوجا في «كورنث» في اليونان ويُنجِبا ثلاثة أطفال. لكنّ الرياح جرت عكس انتظارات «ميديا».
طمعاً في السلطة والمال، تزوج «ياسون» من ابنة كريون ملك كورنث. وهنا تنتقم «ميديا» بقتل زوجته الجديدة ثم قتل أطفالها الذين يبني «ياسون» كل أحلامه عليهم، ثم بالهرب إلى أثينا لبدء حياة جديدة.
وظف الجعايبي المسرحية في الواقع التونسي والعربي الحديث، باعتبار أنّ المأساة الإنسانية تتكرّر باستمرار الجانب الوحشي في الإنسان. استعمل تقنيات مستحدثة، جعلت المتفرج يعتقد أن المسرحية تُعرض على شاطئ البحر.
كان فيديو البحر يملأ الشاشة وكانت الأمواج تتفاعل مع نسق المسرحية ومع تفاعل الشخصيّات، فنجد البحر مرة هادئاً ومرات أخرى هائجاً، حتى إن الممثلة سهام عقيل قالت لنا إن البحر ليس مجرد أكسسوار وإنما يمثل شخصية مستقلة ومهمّة في المسرحية.
«آخر البحر» تروي أحداث قصّة شبيهة حدثت في تونس سنة 2015 بتجاذباتها السياسية والاجتماعية. بطلة «آخر البحر»، يمنيةٌ تُدعى «عاتقة»، هربت من بلدها مع حبيبها التونسي أملاً في حياة أفضل، في بلد ينتصر فيه القانون.
لكنها تصطدم بحقيقة الأوضاع القانونية وبعلاقات زوجها المشبوهة مع السلطات، بزيف حبّه لها، بزواجه من امرأة أخرى رغم المنع القانوني. «ميديا» تنتقم من «عاتقة» بقتل الزوجة الثانية وبإغراق أبنائها الثلاثة انتقاماً من زوجها. الممثلة ريم عيّاد عرّجت في تصريحها لـ«البيان» على البعد الفلسفي للمسرحية الذي يجعل المشاهد محتاراً بين أن يتضامن مع «عاتقة» باعتبارها ضحية أم يُدينها باعتبارها مذنبة.
«آخر البحر» قصّة يونانية معقدة من القرن الخامس قبل الميلاد، تعود لتحيا من تونس في القرن الحادي والعشرين، ولكن دائماً على ضفاف نفس البحر، البحر الأبيض المتوسط.
من آلام «ميديا» إلى معاناة «عاتقة» يرنو الفاضل الجعايبي إلى مجابهة المأساة من أجل عالم أكثر إنسانية، وكأنّ 2500 سنة لم تكن فترة كافية لتتخلّص الإنسانية من جانبها الوحشي.
