تروي النسخة الثالثة من مهرجان «المرموم: فيلم في الصحراء» التي تحمل شعار «قصص ترويها الطبيعة»، أهمية التراث الإماراتي كمدخل درامي ثري لصناع السينما عبر توظيف إرثها الإبداعي والحضاري وتأثيراته الثقافية ضمن تيار اللغة المحلية والتقاليد المجتمعية المستوحاة من التاريخ المحلي وتوثيق الخبراء والباحثين للذاكرة الشعبية وأصالة الهوية في مضامينها المادية والمعنوية.

وفي السياق، أكد الممثل والمخرج الإماراتي مرعي الحليان أن الذاكرة التراثية والشعبية الإماراتية هي جزء أصيل من مكونات الأعمال البصرية وإبداعاتها التي تختزل عبر قصصها رؤى مشهدية للشخوص وإرث الزمان والمكان في سبيل إنعاش ذاكرة الأجيال وتوثيق روابطهم بها في ظل العولمة والانفتاح على الثقافات الأخرى، وتجد هذه اللونية من الأعمال إقبالاً جماهيرياً لمضمونها الغني بصور من تاريخ الدولة والحياة الاجتماعية والثقافية إلى جانب إضاءات على كافة التقاليد والعادات التي تمثل كل حقبة تاريخية وفقاً لرؤية كاتب العمل والمخرج، حيث يسعى صناع الدراما والسينما الإماراتية والمحلية إلى توظيف أدواتهم لترسيخ قيم الهوية والانتماء.

تأصيل الهوية

وعن العودة إلى المورث كمساحة لسرد القصص قال سلطان بن دافون، مخرج فيلم «قماشة» الذي حاز جائزة أفضل فيلم في مسابقة الصقر الإماراتي القصير، في مهرجان العين السينمائي بدورته الرابعة: إن الموروث والتاريخ يشكلان أرضية خصبة لقراءة الماضي برؤية معاصرة وسرد حبكات لا يمكن تأصيلها إلا في زمن محدد لارتباطها بواقع تاريخي وفقاً لسياق الأحداث بالبيئة الشعبية وواقع الحياة والنشاط اليومي في الفرجان وسط بهاء الأسواق وقوافل التجارة ورحلات الغوص على اللؤلؤ وهي من القيم الإنسانية الأصيلة وتعكس الهوية الملحمية لسكان المنطقة ككل من واقع الإرث المشترك والعادات المتفردة، وعبر ذلك كله تنمو لدى الكاتب الإماراتي وصناع العمل أفكار إبداعية متعددة لتقديم محتوى بصري ومضمون ملهم ضمن قائمة المشروعات المحلية، التي طالما حرصت على الاستفادة من مواطن القوة والضعف مع الأخذ بعين الاعتبار آراء الجمهور والنقاد كقاعدة أساسية تثري الحراك السينمائي والدرامي في الإمارات.

من جهته، قال المخرج والكاتب الإماراتي عبد الله المهيري، الذي يعرض فيلمه «العشاء العائلي الأخير» ضمن فعاليات مهرجان «المرموم: فيلم في الصحراء»: نسعى إلى تقديم أعمال تواكب إيقاع الحياة المعاصرة والمتغيرات في ظل مجتمع متعدد الثقافات كما في الإمارات دون المساس بطابعنا وتراثنا الإماراتي فيما يتعلق باللهجة المحلية ومقومات الشخصية الإماراتية التي تحترم الآخر وتعتز بتاريخ أجدادها ومجد شعبها الذي تغلب على كافة التحديات.

رصيد معرفي

من جهته، قال الممثل والمخرج إسماعيل سالم: إن المواهب الشابة لها دور كبير في إنتاج مشروعات تعزز الهوية الإماراتية وتنظر إلى التراث كمحتوى استثنائي لابتكار قصص ومشاهد ترسخ في ذاكرة المشاهد عبر العديد من الأفلام والأعمال الدرامية، والتي يتبنى فكرتها كتاب ومخرجون متحمسون لوضع بصماتهم والتعبير عن أفكارهم الطموحة وإيجاد خصوصية في عالم تشابهت عبره الأشكال وامتزجت المعايير من واقع البيئة الإماراتية وتاريخها وكذلك ما حصلوا عليه من رصيد شفهي ومعرفي متواتر نقلاً عن الآباء والأجداد، واستثمار كل ما تم توثيقه ليعيد تنظيمه وترتيبه وكذلك دمجه لصالح تطوير فكرة العمل من اهتمام بالتفاصيل والأزياء والحقبة الزمنية والصورة البصرية لتكون قادرة على المنافسة وحصد الجوائز.

نقطة انطلاق

وحول مدى واقعية الأعمال المحلية واقترابها من الحقائق والأحداث الزمنية، والتي تتخذ من التراث محوراً لمضمونها الدرامي والسينمائي يقول الباحث في التراث فهد المعمري: إن رمزية الحكاية التراثية في سياق الأعمال الدرامية طالما تتصدر اهتمام الجمهور من جميع الفئات العمرية، والذي ينتظر بشغف أن توافق معطيات العمل على أقل تقدير ما هو متوارث فيما يتعلق بالعادات وضبط اللهجة وتفاصيل الحياة الاجتماعية في المناسبات، وتقديم معلومات وملامح جمالية عامرة بالتفاصيل ومساراتها الشعبية، وفى حقيقة الأمر أضاءت العديد من الأعمال الدرامية بشكل كبير معلومات ومعارف عن الماضي، وشكلت بالتالي جوهر العمل وكذلك نقطة انطلاق لحصد الاهتمام من جمهور عريض داخل وخارج الإمارات.