يعرف المهندس رشاد بوخش رئيس جمعية التراث العمراني في الإمارات، الاستدامة كتعريف حديث، بأنها تلبية احتياجات الأجيال الحالية، دون المساس باحتياجات الأجيال القادمة.

وضمان التوازن بين النمو الاقتصادي والرعاية البيئية والرفاهية الاجتماعية، ولفت إلى أن الأمم المتحدة في 2015، وضعت 15 هدفاً للتنمية المستدامة، حيث يركز الهدف الحادي عشر على استدامة المدن والمجتمعات.

ويؤكد رشاد بوخش في حواره مع «البيان»، أن دبي نجحت في استلهام التراث العمراني في مبانيها وفق توجه بنّاء يكفل تكريس قيم الاستدامة، مجسدة في هذا الحقل نموذجاً نوعياً يقتدى. كما أشار المهندس رشاد بوخش إلى أقدم مبنى، وهي جزيرة غاغا في أبوظبي، وهي تعد أقدم مستوطنة في تاريخ الإمارات، وتعود إلى 8500 سنة، وهي باقية إلى الآن، يقول بوخش «البقاء دلالة الاستدامة، وتعد المواد المستخدمة طبيعية من البيئة المحلية».

ويضيف رشاد بوخش: «نلحظ استدامة العمران في الكثير من المدن العربية والإسلامية، التي تتقارب في تخطيطها بشكل كبير، سواء في دبي وأبوظبي والشارقة، ودول الخليج أو البلاد العربية.

حيث تتقارب البيوت وتوجد السكيك في ما بينها، وبسبب حرارة الجو، تسمح هذه السكيك الضيقة بوجود الظل، ما يقلل درجات الحرارة، ويؤدي إلى سرعة حركة الرياح، حسب عدد من الدراسات التي أجريت، تتعلق باتجاه الرياح، ويتضح هذا في مباني منطقة الشندغة والفهيدي، على سبيل المثال، واعتمدت هذه الأفكار في المشاريع الحديثة في قرية سوق دبي المالي.

لكنها ترجمت بشكل حديث، فكانت المباني ذات العشرة طوابق بشكل متقارب، تسمح بوجود الظل، إضافة إلى التهوية الطبيعية، وهو ما يسمح أيضاً بتقليل استخدام الطاقة، فليس بالإمكان تكييف المدينة بكاملها، لكن من الممكن توفير الظل والتهوية من خلال سرعة الرياح.

ويضيف المهندس رشاد بوخش: «الفرجان القديمة تطورت على مدى أكثر من 600 سنة، لتصل للقمة في تخطيط المدينة، واستخدام المواد وتصميم المباني، بحيث ناسبت البيئة التي عاشوا بها سابقاً، حيث لا ماء ولا كهرباء، بينما العمارة الحديثة التي بدأت منذ 1960، ما زالت بحاجة إلى توفير مناطق مظللة، بما يتناسب مع البيئة والجو في الإمارات».

تخطيط

ويشير بوخش إلى مشروع «إكسبو 2020 دبي»، الذي كان عنوانه الاستدامة، وتخطيطه العام من مبانٍ متقاربة، وممرات مظللة، تنسجم فكرتها مع فكرة العمران قديماً، وجناح الاستدامة، والذي حقق أعلى درجات الاستدامة في تصميم مبنى إلى الآن في تاريخ البشرية، ويعتبر التصميم الصفري، أي الذي لم يستخدم أي مصادر للطاقة الصناعية.

حيث تم الاعتماد على مصادر الطاقة الشمسية، والاستخدام الذكي للماء، وغيرها من الأساليب التي استخدمت في هذا المبنى لأول مرة. ولفت إلى أن هناك توجهاً في التصاميم الجديدة التي تصمم دون استخدام الطاقة الكهربائية للتكييف والتبريد أو غيرها، والاعتماد على الطاقة الشمسية أو الهوائية أو المائية.

وذكر رئيس جمعية التراث العمراني بوخش، أن المواد المستخدمة قديماً في بيوت العريش، كانت مواد طبيعية من سعف النخيل والجريد، وهو ما تم تطويره في بعض المشاريع في الدولة، مثل مشروع مجلس العريش في إمارة أبوظبي، إضافة إلى ذلك، وجود الفناء في البيت، مثل الشندغة والفهيدي، سمح بوجود تهوية طبيعية للبيت طوال اليوم.

إضافة إلى البارجيل، الذي ساهم في زيادة سرعة الرياح، وهو يشكل طابعاً للعمارة الإماراتية التراثية، والجدير بالذكر أن مدينة مصدر لها عدد من الدراسات حول البارجيل وتطبيقه بأسلوب حديث، مع وجود الهواء، لا سيما في فصل الشتاء في ديسمبر ويناير وفبراير، أيضاً ضرورة استخدام الإضاءة الطبيعية، والتقليل من هدر الطاقة باستخدام الكهرباء، وأكد على الحاجة إلى المزيد من الدراسات في هذا الجانب.

راحة

وتحدث عن تصاميم الأسواق القديمة، سواء في بر دبي أو منطقة ديرة، والتي يشعر فيها المرء بالراحة والطمأنينة، وكانت المواد المصنوعة في البناء قديماً، وبشكل رئيس في مناطق الساحل، هي الصخور المرجانية، وهي تعتبر مواد عازلة، وسهلة في البناء والقطع، نظراً لوجود المسامات، بينما المناطق الداخلية في العين وحتا ومسافي، كانت تستخدم الطين، حيث يحافظ على البرودة ليلاً، والدفء والحرارة في فصل الشتاء.

ومن منطلق خبرته في العمارة، التي تمتد لثلاثين عاماً، قال إن العمارة المتوافقة لغة معمارية حديثة، ذات مفردات وعناصر متميزة الشكل، ولكنها تمثل وترمز للمكان، بحيث يدرك من يراها أنها مستمدة من العمران التراثي المحلي.

وهو ما نجده في عمارة دبي والإمارات المستمدة من التراث المحلي، فهي تمثل وترمز للمكان، متطورة في مبانيها، ومتوافقة مع العادات والتقاليد، هويتها واضحة ومتلائمة مع بيئة ومناخ المنطقة الحار والرطب، وهناك أربعة عناصر لو وضعت في أي تصميم، بالإمكان القول بأن هذا التصميم حداثي ومتميز، وهذه العناصر هي، الحداثة والتميز والهوية والاستدامة.