حديث ذو شجون يلتقط بين طياته ذكريات الريادة الثقافية، والمبادرات الإنسانية في مسيرة المربية والأديبة شيخة الناخي، والتي فتحت شرياناً متدفق الحنين لبدايات الحراك النسوي الأدبي في الإمارات، ومسيرتها التي نثرت من فنون الشعر والأدب أطياف الإبداع، وكانت محور اهتمام أجيال متعددة من الفتيات، اللواتي تخرجن في مدرستها الأدبية والتعليمية. وفى حوارها مع «البيان» أكدت الأديبة شيخة الناخي صاحبة أول مجموعة قصصية في الإمارات بعنوان «الرحيل»، التي صدرت في عام 1970: «إن المناخ الثقافي وحراكه التفاعلي بات اليوم بفضل دعم وتشجيع القيادة الرشيدة وطموح جيل الأديبات والكاتبات الأكثر تأثيراً وانتشاراً ليس على مستوى الخليج، وإنما على مستوى الوطن العربي ككل، فما أجمل البدايات، التي تعانق طموحات الحاضر، وتتطلع إلى المستقبل بعين الفخر والامتنان».
إيقاع الشارع
وحول بداياتها في كتابة القصة القصيرة تقول شيخة الناخي، إن مجموعتها الأولى، والتي جاءت بعنوان «الرحيل»، وهي أول مجموعة قصصية نسوية في الإمارات تبصر النور في عام 1970، ولكنها كتبت قبل ذلك الوقت بكثير، وظلت حبيسة الأدراج، معلقة على أسوار الشك والترقب، نظراً لردود فعل زميلات الدراسة الثانوية، بعد أن قرأت لهن بعضاً من صفحاتها لتوسم بالجرأة، والمباشرة في طرح موضوعات، التي قد تخالف إيقاع الشارع الإماراتي المحافظ.
مناخ ثقافي
وتؤكد الناخي أن مجموعتها القصصية الأولى ظلت حبيسة الأدراج إلى وقت طويل، ولم تطلع عليها أحداً من أفراد عائلتها إلا بعد زواجها، وفوزها بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة، والتي نظمتها وزارة الثقافة والشباب. وتتابع: «على الرغم من المناخ الثقافي والمعرفي السائد في منزلنا، والذي يبث مساراته الثقافية في شتى فنون الأدب والمعارف، ولدى المرحوم مبارك سيف الناخي، الذي كان في ذلك الوقت علماً من أعلام الأوساط الثقافية في مدينة الشارقة، وضمن نخبة من الأدباء والمفكرين».
وتؤكد شيخة الحائزة جائزة الشيخ خليفة بن زايد للمعلم 1997، وجائزة الشارقة للتميز التربوي، إضافة إلى تكريم اتحاد كتاب الإمارات لها: كان التشجيع والدعم اللامتناهي، الذي قدمه زوجي، ووالدي هو المحرك الأساسي لاستمراري في فعل الكتابة الأدبية، وإنتاج مجموعات قصصية أخرى، تشق طريقها بين هموم الوطن وواقع المجتمع الاماراتي، لتجد أصداء طيبة، وتحفيزاً عميق الأثر لانضمام كاتبات شابات لركب المشهد الإبداعي الاماراتي، بالتزامن ترأست رابطة أديبات الإمارات في أندية الفتيات في الشارقة، حتى أسست فعلياً عام 1990، وتسلمت رئاسة مجلس إدارتها في ذلك الوقت.
رابطة الأديبات
وتضيف الناخي: «لا بد أن أخص بالذكر قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، التي مهدت لي طريق العطاء الأدبي والثقافي، وطريق العطاء الجميل للوطن، وزيادة الوعي بالأدوار المحورية، التي تقدمها المرأة الإماراتية في مجال الثقافة والإبداع، وهو ما أسهم في زيادة وتيرة نشاطاتي ومبادراتي المشتركة في تنظيم الفعاليات، والأنشطة الأدبية والثقافية على المستوى المحلي والخليجي والعربي، والسعي نحو التنسيق والتعاون مع المؤسسات الثقافية المعنية لدعم المسيرة الثقافية، مع التخطيط لنشر إبداعات المرأة الإماراتية، عبر توفير الدعم المادي والإداري والفني والمعنوي، مع الأديبات اللواتي كن من أوائل الأعضاء المؤسسات لرابطة أديبات الإمارات، ومنهن أذكر على سبيل المثال لا الحصر صالحة غابش، وأسماء الزرعوني، و«فتاة دبي» وكلثم عبدالله، وكذلك الأديبة باسمة يونس».
ذكرى استثنائية
وعن أهم اللحظات الاستثنائية في حياتها الأدبية والمهنية أكدت أن لحظة تكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لها، وتقليدها بميدالية أوائل الإمارات في 2015، كونها أول كاتبة قصة، هي من الذكريات، التي لا تنسى، وأضافت: عشت الفرحة بمعناها الحقيقي، فامتدت عبر مديات لا حدود لها، وانحنت كلمات الشكر لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، معلنة عجزها عن التعبير عن بعض ما يستحقه، لقد تبنى سموه الطموح والإبداع، وارتضاه نهجاً في كل منحى من مناحي الحياة، فشحذ النفوس بكلماته النابضة بالهمة والعزيمة، لتتخذ التميز نهجاً عليه تسير الأجيال، أجيال أرادها أن تكون مبدعة، طموحة، متميزة، ترتقي سلالم النجاح بإصرار واقتدار.
إيقاع المدينة
وفيما يتعلق بالمتغيرات التي عمقت وزاوجت بين تجربتها كونها أول قاصة إماراتية ودورها في السلك التربوي لما يربو عن 25 عاماً، تدرجت بسلمه الوظيفي من طور المعلمة إلى منصب الوكيلة، ثم مديرة مدرسة الغبيبة الثانوية للبنات في مدينة الشارقة تقول: هناك العديد من المتغيرات ذات الصلة بالانفتاح المجتمع والمعاصرة، التي باتت إيقاع المدينة النابض بالحراك الثقافي والأدبي، وعلى الرغم من البدايات الصعبة، إلا أن المؤازرة والمساندة، التي حظيت بها من أفراد عائلتي، أمي وابني الوحيد «خالد»، شكلت عندي دافعاً أكبر وشدت من عزيمتي وحمستني أكثر على المثابرة والاستمرار، ومنحتني الوقت في التعمق في علاقتي مع طالباتي، وفهم الطرائق المختلفة للتفكير، التي تحرك قدرات الفتيات ومصدر إلهامهن.
وتشير إلى أنه خلال فترة إدارتها لمدرسة الغبيبة عملت على تحفيز خيال الطالبات ولغتهن الأدبية، من خلال الأنشطة الثقافية والأدبية، وفي تلك الفترة فكرت أن نقوم بكتابة رسالة حب للمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نعبر فيها عن فخرنا واعتزازنا به، فأعددنا مسابقة مدرسية داخلية لكتابة الرسالة، ثم راودتني فكرة أن تعمم المسابقة على مدارس الشارقة، وفعلاً تمت الموافقة من قبل المنطقة التعليمية، وتم تشكيل لجنة تحكيم محايدة لتحكيم الرسائل المشاركة من قبل الطلبة والطالبات، والمفارقة أن الفائزة الأولى من مدرستي (مدرسة الغبيبة)، والجدير بالذكر أن كتابي «وتلك الأيام» والصادر عام 2022، يتناول مسيرتي التربوية وتفاعلاتها المجتمعية والثقافية.

