كأن قلبه المتعب تعمد أن يلملم أوراق العمر ويسجل الكلمة الأخيرة في محطات الرحلة بينما يشارف عامنا الجاري على فصل الختام، معلناً نهاية حكاية عطاء أديب وناقد مقتدر استمر أميناً مخلصاً للكلمة..

محباً للأدب وأهليه.. مؤمناً برقي رسالته، وهو المبدع السوري د. عزت عمر، الذي غادرنا أول من أمس، عن 69 عاماً سطّر صفحات كتابها ومسيرتها بأنوار كلمات حصيفة مسؤولة وماتعة استمر يقتدي ويهتدي بها وهو يداوم على عطائه وعمله في ميادين الأدب والصحافة والنقد.

صدق وإخلاص

حقاً إن الرحيل يبقى مريراً في حالاته وألوانه كافة إلا أن انطفاء أهل العطاءات المؤثرة وكذا القامات الإبداعية الكفؤة المشهود لها مهنياً وأخلاقياً، لهو أمرّ وأشد وقعاً وإيلاماً، وخاصة على من عرفوا هؤلاء من كثب وخبروا، بموازاة عهدهم بعلو مراتب تميز عوالمهم وإبداعاتهم، خصالهم الحميدة.

كما حال فقيدنا عزت عمر، الذي وشّى مسيرته بمزية الإخلاص لعمله والصدق والحياد في ما يكتب إذ عهده الجميع على هذا المنوال طوال الأعوام والعقود التي واصل فيها في ربوع دولة الإمارات، الإبحار في عوالم الأدب الإماراتي والعربي، مقلباً ودارساً وناقداً ومفنداً، شتى النتاجات، بموضوعية وتجرد.

لقد كان الراحل أحد كتّاب مقالات وموضوعات ملحق «مسارات» الذي صدر عن صحيفة «البيان»، فلم يتهاون أو يهمل أو يهلهل في مناسيب دقة ديباجاته ومعلوماته وتشويق أسلوبه.

كان دقيقاً أميناً في ما يكتبه ولا يرتضي إلا أن يرتكز مقاله على مزيج الإمتاع والقيمة والجاذبية والغنى. تلك كانت حاله في المطالعات والكتابات التي مدّنا بها ودارت في أبرز الأعمال الأدبية. وأما في ما يخص مقالات عزت النقدية، فلطاما اتسمت، وبشهادة نقاد عديدين، بالموضوعية والشفافية والمباشرة والصراحة، علاوة على بعدها عن التجريح والغائية.

إصدارات غزيرة

أنجز الراحل إصدارات ومشروعات ثقافية غزيرة شملت حقول النقد والدراسات والكتابات بمجملها ولكنه لم يرُم التوقف عند حد معين، فحتى وهو يشعر بأن فؤاده شرع يخونه، رويداً رويداً، في أيامه الأخيرة، كان منهمكاً في الاشتغال على خطط وأعمال أدبية وفكرية جديدة مغايرة. وتحضرني في السياق، أحاديث كثيرة له.

وكذا تدوينات لطالما سطرها في مواقع التواصل الاجتماعي، كان يؤكد فيها لزملائه الأدباء الذين يرسلون إليه بنسخ إصداراتهم الجديدة (وكانت كثيرة العدد)، أنه لم ينسَهم وسيحاول أن يجد وقتاً يخصصه لكل إصدار على حدة، كي يقرؤه ويقدم رؤيته النقدية التحليلية بشأنه..

مشيراً إلى أنه يعتذر، سلفاً، عن أي تقصير أو عدم قدرة، ربما، على الإيفاء بهذا العهد لأي أحد منهم، ذلك في ضوء زحمة المهام والأشغال التي يتصدى لها. وبالطبع، لم يكُ هذا الديدن بغريب على ابن حلب، الهادئ الدمث الذي كسب الأصدقاء والمحبين والمعجبين المقدرين من كل حدب وصوب بفعل خلقه الجميل وإمكاناته الفكرية عالية المنزلة.

وداعاً عزت عمر.. نمّ قريراً مطمئناً. لن يغيب ضياء أعمالك. وستبقى بيّنة مؤثرة بصماتك وإسهاماتك في فضاءاتنا الأدبية.