يأتي حصن خورفكان في الساحل الشرقي، والمطل على خليج عمان، إلى جانب برج الرابي وبرج العدواني، ليضاف إلى سلسلة الصروح الدفاعية عن المدينة في القرون الماضية، ومع ترميمه وإعادة تشييده أصبح متحفاً تاريخياً شاهداً على تاريخ المنطقة الشرقية، وما تحتويه من آثار تعود إلى آلاف السنين.

ومن هنا نستعرض حكاية هذا الحصن الذي ظل شامخاً عبر الأزمان، ركيزة للدفاع، ومقراً رسمياً فريداً، وأصبح اليوم واحداً من أبرز المعالم السياحية والأثرية، ومكاناً لتجمع أهالي المدينة في مختلف المناسبات الاجتماعية.

إحياء التراث العمراني

وكان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، قد وجّه في العام 2018، بالتنقيب عن قواعد حصن خورفكان والحفاظ عليها كشاهد على تاريخ هذا البيت العريق وإعادة بناء الحصن مقابل السوق، وذلك بعد تعرضه للهدم في العام 1968م، ليكون متحفاً لآثار المنطقة الشرقية ورمزاً لتاريخ مدينة خورفكان في الشارقة، وقد جاء هذا المشروع ضمن سلسلة من المشاريع التي تستهدف إعادة إحياء التراث العمراني بمدينة خورفكان، واستناداً إلى المعلومات والمصادر التاريخية التي استحضرها صاحب السمو حاكم الشارقة، بدأ العمل في إنجاز هذا المشروع الكبير بمرحلة جمع المعلومات الهندسية وإعادة التصور، وتقدير الأبعاد الأصلية للحصن، وكيفية بنائه ووضع المخططات والرسومات، كما تمت الاستعانة بمجموعة من الرواة والحصول على المعلومات.

وجرى التنقيب على موقع الحصن بعد تكليف البعثة اليابانية بالتعاون مع هيئة الآثار من أجل إتمام مهمة البعثة بوضع الدراسات اللازمة من أجل تحقيق رغبة سموه بإحياء وإعادة بناء حصن خورفكان التاريخي على أرض الواقع.

أسوار شاهقةويرجع تاريخ بناء الحصن إلى القرن العشرين، إذ شيده الشيخ سعيد بن حمد بن ماجد القاسمي مقراً للحكم، وقد سمي بالحصن نظراً لطبيعته ووظيفته الدفاعية فهو لم يقتصر على وظيفته السكنية، وإنما احتوى على أسوار شاهقة وعريضة، وبرجي مراقبة يشكلان مع الأبراج المحيطة على قمم الجبال سلسلة من الأبراج المنتشرة في خورفكان، وأعيد تشييد كل ذلك على غرار التصاميم في خمسينات وستينات القرن المنصرم، ليضفي هذا مزيداً من البهاء والجمال على عروس الساحل الشرقي، وقد تم افتتاح الحصن بعد ذاك المشروع في أبريل 2019، وهو اليوم بتصميمه الهندسي متعدد الأشكال وإطلالته البصرية المتميزة ينسجم بشكل جميل مع المنطقة التراثية المحيطة به، والتي تضم بيوتاً تراثية، وسوقاً شعبياً، ومكاناً للألعاب الشعبية، ومجلساً لكبار السن، وصولاً إلى القناة المائية، وهذا التنوع في المباني والتصاميم جعل المنطقة نقطة جذب للسياح والزوار طوال العام.

عراقة

تم إعادة بناء حصن خورفكان طبقاً لطرق البناء المحلية والمواد المتوفرة في البيئة المحيطة، ولكنه ما زال محافظاً على شكله وهيئته القديمة. ويتكون الحصن من ساحة خارجية واسعة، ومجموعة من القاعات والغرف الداخلية التي تضم كنوزاً تاريخية وأثرية، كما يضم مجموعة من المواقف الخدمية، منها: غرفة الأمهات، ومواقف السيارات، ومدخل لمستخدمي الكراسي المتحركة، ومصلى واستراحة للزوار، ويوجد عند باب الحصن الخارجي عدد من المدافع صغيرة الحجم.

أصالةوبمجرد دخول الزائر إلى الحصن يأنس للوهلة الأولى بذاك المكان الممزوج والزاخر بالأصالة والعرافة، وسيعيش فصول التاريخ الفني للساحل الشرقي فصلاً تلو الآخر، وذلك من خلال استعراض الصور والقطع الأثرية والمجسمات وتقنيات العرض الحديثة، إذ يمكن الزائر مشاهدة اللقى الأثرية الفريدة التي تعود إلى سكان المنطقة في العصور البرونزية والحجرية حتى الحديثة، والتي تمكن العلماء من كشف النقاب عنها في عدة مواقع منها دبا الحصن وخورفكان وكلباء ووادي الحلو ووادي شي.

ممراتوقد زودت أركان وممرات وباحات الحصن الداخلية والخارجية بلوحات وشاشات عرض ذكية تشرح الكثير عن عبق الماضي وتاريخ المنطقة وتساعد الزائرين على الحصول على المعلومات باللغتين العربية والإنجليزية.

برامج وأنشطة متنوعة

لا يقف الزائر عند زيارته على كنوز تاريخية من القطع الأثرية والمخطوطات والمحتويات، والجواهر، والنقوش، والفخاريات، التي تعود إلى الحضارات القديمة فحسب، بل تستوقفه المطبوعات والبرامج التي تعرف بفعاليات متحف الحصن، التي توفر باقة متنوعة من البرامج والأنشطة التعليمية والترفيهية التي تستهدف جميع المراحل الدراسية، معتمدة في محتواها على الجولات التعريفية التفاعلية، فضلاً عن الفعاليات والمسابقات التعليمية والترفيهية وورش العمل المخصصة للأطفال، ويحظى طلبة المدارس بجولات شاملة يتعرفون من خلالها على قاعات المتحف، إلى جانب لقائهم مرشدي الحصن للتعرف على تاريخ المنطقة الشرقية عبر المكتشفات الأثرية، إذ يمكن للطلاب الاستفادة من البرامج التخصصية المقدمة في الحصن، وتتاح جميع الزيارات المدرسية بشكل مجاني، كما يحرص المتحف على تخصيص العديد من الأنشطة العائلية مثل ورشة عمل (خلطات عطرية)، لتعرف الأسر بالزيوت والأعشاب التي استخدمت في صناعة العطور.

عصور متعاقبة

لا يوجد ما هو أمتع من الغوص في التاريخ تدريجياً، والتجول بين اللقى الأثرية النادرة، والقطع الفخارية المذهلة التي تضمها قاعات المتحف الست، حيث تقدم للزوار الكثير من الفرص للاستمتاع بالفن والتعرف على الكثير من أسرار الحياة القديمة في المنطقة الشرقية، ولا سيما العصر الحديدي، حيث نرى أن سكان المنطقة الأوائل استمروا في استخدام النحاس في صنع أدواتهم وأسلحتهم بسبب نقص خام الحديد، وقد تم اكتشاف كميات كبيرة من مخلفات أفران النحاس والمدقات والبوتقات التي كانت تستخدم في عمليات تعدين وصهر النحاس، فكل قطعة في هذه القاعة تختزل حكاية وقصة مشوقة وتاريخاً مذهلاً وحضارة لا تزال حية ومضيئة حتى يومنا هذا.