قدم مسرح دبي الأهلي، ضمن مشاركته في المنافسة على جوائز مهرجان دبي لمسرح الشباب في اليوم الخامس لعروض المهرجان، مسرحية «أبد الدهر» للمخرج والمؤلف عبد الله المهيري التي نسجت خيوطاً متشابكة لقضية أزلية تستحضر الماضي القريب، وتحفل بملامح تفاصيل متشعبة تدين معها دوامة ثقافة العار التي لا تزال راسخة في مفاهيم وفكر كثيرين، رغم التحولات التي طرأت على مجتمعاتنا الخليجية والعربية.

العرض حمل رسائل مباشرة وشيقة، غنية المعنى، وصلت إلى المتلقي بسهولة، لأن المخرج أبدعه وفق نهج وأسلوب السهل الممتنع، مضفياً عليه طابع البساطة والقوة والجاذبية في آن واحد، ما زاد العرض جمالاً في كل شيء.. فأتى العرض وسط هذه العوالم، غنياً بقيم الحب بينما يضيء على قصص قسوة صراع الرجال وعدم المبالاة بمشاعر المرأة.

وبرزت في العمل رمزية عالية تناغمت مع سيطرة المخرج على أدوات العرض، فضلاً عن حالة الانضباط والانسجام بين مساحات الديكور وفضاءات الخشبة ومفردات السينوغرافيا، وبرزت من بين ذلك: الإضاءة التي هي من تنفيذ الفنان يوسف القصاب، والموسيقى والمؤثرات الصوتية للفنان عبد العزيز خميس، إذ زادت من جمال العرض وجعلت الإحساس يصل إلى الجمهور بشكل جيد. وهو ما عززه أداء الممثلين لأدوارهم بتقانة، لا سيما مشاهد «جسوم» الذي يعاني من إعاقة ذهنية وقام بدوره عبد الله العقيل.

بين زمنين

استند عرض «أبد الدهر» في حكايته إلى علاقة حب من الماضي، تربط «عويش» التي جسدت شخصيتها الممثلة عذاري السويدي، و«فهد» الذي جسد دوره على الخشبة الممثل خالد حسين، إذ لم تكلل بالزواج لرفض المجتمع هذا الارتباط كون والدة عويش: «مرايم» (وقامت بدورها الممثلة أمل حسين) امتهنت الغناء في الأعراس: «طقطاقة» وذلك بعد أن ابتلعت أمواج البحر العاتية زوجها أثناء رحلة الغوص، حيث بقيت تعاني الكثير، خاصة وأن ابنها «جسوم» يعاني من إعاقة ذهنية.

وقد استحضر المؤلف في نصه إضاءات معاصرة لقصة مشابهة في تفاصيلها لجدلية العار وأعرافه، تحكي عن علاقة حفيدة «عويش»، وقامت بدورها الممثلة سارة المازمي، بشاب (قام بدوره الممثل ياسين الدليمي)، إذ يرفض أهلها ارتباطهما لسمعة عائلة عيوش ولسيرة وحال جدتها التي تعمل «طقطاقة» في الأعراس، ذلك رغم محاولات مستميتة من حفيدة «عويش» في تغيير الواقع واختيار شريك حياتها بعيداً عن رتابة تقاليد وعادات هدامة.

بين أزقة الفريج ووسط أكواخ العريش المطلة على البحر، وحيث تبرز شباك الصيادين وعلى إيقاع «النهمات» و«اليامال»، تتصاعد حدة الأحداث وسط رغبة «جبر» ابن عم «عويش» الزواج بها، وإن كان الثمن أن يشوه سمعتها، ذلك بغرض أن تتراجع عن رفضها الزواج به، في الوقت الذي يحاول «فهد» إقناع والده المدمن على الشرب (أدى دوره الممثل محمد بن حارب) في الموافقة على زواجه بالفتاة التي اختارها قلبه، على الرغم مما يقال عن والدتها وعائلتها. وفي لحظة بين الجدية والهزل يمنح «أبو فهد» ابنه الوحيد موافقته العبثية على زواجه بعد وفاة «مرايم أم عويش».

وفي المشهد الأخير تخرج «عويش» من الفريج بعد أن هدم منزلها وطعنت في سمعتها بسبب «جبر» الذي رأى في ذلك العقاب الذي يشفي غليله أمام رفضها الزواج به، وكذلك ابنة عمها «بدرية» أخت «جبر»، وقامت بدورها الممثلة نساء المازمي. وتنتهي بها الحال بالزواج بشاب آخر، لم يكترث لماضي والدتها الراحلة.. وفي نقلة سريعة إلى مشهد الحاضر نجد حفيدة «عويش» تواجه أعراض الانسحاب الذي طوى جدتها «عويش»، لعدم قدرة «حب حياتها» على مواجهة عائلته والمجتمع.