شكلت ترجمات النصوص المسرحية جانباً مهماً في بدايات المسرح في سوريا وفي تطوره وديمومته في مرحلة لاحقة.

فقد استفاد المسرح السوري منذ انطلاقه من النصوص الأجنبية، التي كانت الحاضر الأكبر على الخشبة، إذ مازال الكثير من الأعمال المسرحية المقدمة يتكئ على نصوص مترجمة، مقابل كم قليل من الأعمال لمؤلفين محليين.

«البيان» استطلعت آراء عدد من المختصين في تأثير النصوص الأجنبية على الحركة المسرحية في سوريا وتطورها، حيث رأى الكاتب والمخرج «جوان جان»، أن المسرح السوري لم يكن ليشهد النهضة التي شهدها في النصف الثاني من القرن الماضي لولا حركة الترجمة.

وتابع: «تلقف المخرجون السوريون منذ العام (1950) النصوص المترجمة وقدموها لجمهور المسرح، من قبيل أعمال ارستوفانيس، والبير كامو، وغوغول، والنرويجي هنرك أبسن، وجورح برنارد شو، ووليم شكسبير، وفي هذا السياق قدم رفيق الصبان، «تاجر البندقية»، و«يوليوس قيصر»، فيما قدم يوسف حرب، «ترويض الشرسة».

وأضاف: «ومع مطلع القرن الجديد، لجأ المخرجون إلى تقديم أعمال، مترجمة لكتّاب لم يعتدْ الجمهور على مشاهدة أعمالهم، فقدمت نائلة الأطرش، نصاً للكاتب الهنغاري «يوليوس هاي» تحت عنوان «الرهان»، وأخرج بسام كوسا مسرحية «عشاء الوداع»، للنمساوي «آرثر شنيتزلر»، وحسن عويتي، مسرحية العميان، عن نص البلجيكي «موريس ميترلنك»، وغسان مسعود، «مذكرات رجل نعرفه جداً»، للروسي «ألكسندر استروفسكي». هذا إلى جانب عشرات الأعمال الأخرى التي يضيق المجال عن ذكرها.

الدكتورة «ميسون علي» أستاذة المسرح المعاصر في المعهد العالي «للفنون المسرحية بدمشق قالت لـ«البيان»: «من المعروف أن الاهتمام بترجمة المسرح بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر مع جيل الروّاد: مارون النقاش، وأديب إسحق (1856-1885) وهو كاتب ومترجم سوري، ترجم مسرحية «أندروماك» للكاتب الفرنسي راسين، كما ترجم مسرحية «شارلمان» لفيكتور هيغو، واسحق كان قد شاهد العروض المسرحية لأول مرة في روما وفينيسيا، وباريس، وعاد متأثراً بهذا النوع الجديد من الثقافة، ومن ثم حاول أن يستلهم بعض الأفكار من النصوص الأجنبية، كذلك هناك تجربة أبي خليل القباني، الذي استفاد من ترجمة مارون النقّاش لموليير، ولكن بعد أن قام بإعدادها، بما يكفل لها البيئة والراهنية.

تأثير

وأضافت: بالنسبة لسوريا بدأ تأثير النص المسرحي المترجم، مع مشاهدة العروض المسرحية في أوروبا، وليس بقراءة النصوص المسرحية المكتوبة؛ فالتأثر بالمسرح الغربي بدأ بصرياً، ثم نصاً ومادة مكتوبة ومقروءة، مشيرة إلى أن البداية الحقيقية لترجمة المسرح في بلادنا كانت بعد الحرب العالمية الأولى (1918-1914)، إذ بدأت تنشط حركة الترجمة، عن الفرنسية والإنجليزية تحديداً.

الباحثة في المسرح الحديث الدكتورة ريم شامية، رأت أنه على الرغم من كل ما رافق حركة الترجمة المسرحية من صعوبات، إلا أنها أسهمت ولاتزال في إغناء «أبو الفنون» لدينا، وأشارت في هذا السياق إلى تأثير ترجمات بيرتولد بريخت، وصمويل بيكيت ويوجين يونيسكو و«آرثراداموف» و«لويجي بيرانديللو»على الأعمال المسرحية السورية.

وتابعت: كان للنصوص المسرحية المترجمة أثرها في مسرح سعدالله ونوس على سبيل المثال، الذي ذكر أنه بدأ الكتابة المسرحية متأثراً بالفكر الوجودي، وخصوصاً تيار العبث الذي نشأ عنه، ووجد من خلاله مجالاً لطرح قضايا تتعلق بالفكر الوجودي ومعاناة الإنسان، وفي مرحلة من المراحل لجأ إلى المسرح الملحمي، متأثراً بأدوات بريخت وبيرانديللو.

وتضيف: «في حين سعى بيرانديللو إلى تقديم ارتجالات معدة في مسرحيته «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» حرص ونوس على العفوية في الارتجال في «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، كما نجد حضور بريخت واضحاً في «الملك هو الملك»، إذ استكمل ونوس الأسلوب الذي بدأه في حفلة سمر؛ «أي تحطيم الجدار الرابع».