تعد الإمارات من الدول الرائدة في الاهتمام بالفن والثقافة، حيث تحتضن مجموعة كبيرة من المعارض والفعاليات، التي تستقطب الفنانين والرسامين والأدباء من كافة أنحاء العالم، ويأتي هذا الاهتمام تحقيقاً لاستراتيجية الدولة في تعزيز الإبداع وتطوير المشهد الثقافي والفني في الدولة.
وتنظم الدولة العديد من المهرجانات الثقافية والأدبية، التي تنطلق من عمق رؤية الإمارات لتعزيز التنوع الثقافي في المجتمع، التي ترسم مساراً بديعاً لتلاقي الثقافات؛ ومثال على ذلك، معارض الكتب والمهرجانات الفنية لعرض مختلف أنواع الفنون، وغيرها الكثير مما يستقطب المبدعين من مختلف أنحاء العالم، للمشاركة في المحاضرات والورش الإبداعية والندوات والأنشطة الأخرى التي تتضمنها تلك الفعاليات.
إرث عالمي
وتعمد الدولة إلى الاحتفاء خلال تلك المهرجانات والفعاليات بأسماء عالمية ومحلية شهيرة في مجال الثقافة والإبداع، ما يعيد إلى الذاكرة أعمالهم الخالدة، ويذكر الجيل الجديد بهؤلاء العمالقة الذين تركوا أثراً كبيراً وإرثاً خالداً خلفهم، بقي إلى يومنا هذا.
ولا يتوقف الدعم والاحتفاء بالفنانين والرسامين والأدباء في الإمارات على المعارض الفنية والمهرجانات الثقافية فحسب، بل يمتد هذا الدعم إلى كافة المجالات الثقافية والفنية، بما في ذلك الأوبرا والمسرح والموسيقى والسينما. وتعمل الفعاليات الثقافية على جذب الفنانين والأدباء الموهوبين وتقديم الدعم المطلوب لإبداعاتهم، وتوفير البيئة التي تشجع على التعبير الفني والتطور المستمر.
في هذا السياق، أكد الكاتب الإماراتي علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بدبي: «دبي مدينة عالمية، والمدن العالمية عادة، ما تحتفي بالأيقونات الثقافية والفنية الخالدة، لما لها من قيمة مضافة في تاريخ البشرية بشكل عام.
وفي تاريخ البلدان التي تنتمي إليها بشكل خاص، ذلك أن هذه الأيقونات الثقافية والفنية لا تعود ملك شعوبها عندما تتجاوز حدود البلدان التي تنتمي إليها، وإنما تصبح منارات ثقافية وفكرية وفنية تهتدي بها الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل».
أبعاد إنسانية
وأضاف: «لهذا تعمل دبي على تكريس هذه الأيقونات من خلال تقديم نماذج منها في الفعاليات المختلفة التي تنظمها، مثل المهرجانات والمعارض والبيناليهات والمنتديات المختلفة، ويتحول هذا الاحتفاء إلى تقليد متعارف عليه، تنشر من خلاله قيم التسامح التي تؤمن بها.
وضرورة تمازج الثقافات المختلفة والحضارات المتنوعة، كي تخلق منها مجتمعاً متسامحاً ومنسجماً، جميع أفراده متصالحون مع أنفسهم ومع غيرهم من الشعوب والأديان والثقافات المتنوعة والمتعددة. وفي هذا السياق، تقدم دبي نفسها مثالاً واقعياً محدد الأهداف والملامح، ونموذجاً فريداً قادراً على التعاطي مع الأبعاد الإنسانية في الثقافة والفنون والمعرفة».
وأوضح الهاملي أن الصراعات التي يعيشها عالمنا اليوم، وتعيشها بعض المجتمعات التي تبدو متماسكة من الخارج، هي أكبر دليل على هشاشة هذا العالم، وهذه المجتمعات من الداخل، وقابليتها للتفكك عند أول اختبار تتعرض له، رأينا هذا في بلدان كثيرة حدثت داخلها صراعات فكرية ودينية وعرقية.
أدت إلى تفككها وهجرة بعض مواطنيها إلى بلدان أخرى، لهذا نؤكد أن دبي عندما تحتفي بالأيقونات الثقافية والفنية الخالدة، فهي إنما تكرس شخصيتها العالمية المتسامحة، التي تحتفي بالمنجزات الإنسانية كافة، وتسهم في تعزيز قيم التسامح والتعايش في العالم.
تبادل معرفي
وتقول الكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي: «إن الموضوع له عدة جوانب، أبرزها أن المهرجانات والفعاليات المحلية تقدم للمجتمع نتاج ثقافات العالم، وتضيف خبرات إبداعية جديدة.
إضافة إلى بعد آخر جميل، فكل بلد عندما يستقبل شخصاً من الخارج يكون لديه تعطش كبير للتعرف على الثقافات، وبالتالي فإن مثقفي ومبدعي العالم الذين يفدون إلى دبي، يعملون تلقائياً على نشر ثقافتنا، بحكم فضولهم وتعطشهم للمعرفة».
مشيرة إلى أن ذلك يحدث كذلك مع الفنانين المحليين عندما يسافرون لزيارة معارض الكتب أو غيرها من الفعاليات الثقافية، فهم يرغبون في التعرف على الجوانب الخفية من ثقافات الشعوب الأخرى. وهذا ما يحدث عند الاحتفاء بكاتب معين أو بإحدى الأيقونات في الدولة.
وأضافت: «مثلاً الاحتفاء بلوحة لبيكاسو، أو بالفنانين العالميين وأعمالهم على اختلافها، كما حدث في متحف اللوفر في أبوظبي، جعلنا نتقرب أكثر من أولئك الفنانين، ونكتشف أبعاداً جديدة لا نعرف عنها، سواء كانت أبعاداً اقتصادية أو اجتماعية أو فنية أو غيرها.
وكلها تلعب دوراً في التعرف على الثقافات الأخرى وتثري معرفتنا بالآخر، لأن الإعلام أحياناً يوصل أفكاراً مغايرة قد تكون فيها بعض المبالغة أو التشويه، مثل المبالغة التي كنا نسمعها عن «الموناليزا» وغيرها من اللوحات، لكن الاحتفاء بها وبالفنان جعلنا نفهمها بعمق وشكل أفضل».


