الراوي، زاوية تبرز الرواة ممن توارثوا مهارة السرد ونقل المضامين من الذاكرة إلى الواقع، وذلك عبر المجالس والاجتماعات والفعاليات، متناولين التراث المحلي الإنساني عبر السنوات أباً عن جد، ومعالجين عدداً من القضايا الاجتماعية، ليسلطوا الضوء على التراث والشخصيات والقبائل، خاصة أن لكل منهم أسلوبه المميز للحديث عن الأماكن والقبائل.
وفي الشعر والقصص والمواقف البطولية، يعتبر الراوي الذاكرة الحية التي تضيء لمن أُشكل عليه أمر أو معلومة ما، وهو المعلم في مجال سرد المعلومات التي تناقلتها الأجيال. ليكون الراوي بذلك الوجهة التي يقصدها الباحث للحصول على أصل المعلومة، فضلاً عن الجهات الرسمية التي تقصده في مناسبات كثيرة لذات الهدف، ولكن اليوم ومن هنا نتوجه للرواة لنقدم نبذة عن حياتهم؛ توثيقاً لسيرة مختصرة عن كلٍ منهم، تكريماً لهم ولدورهم الإنساني.
ولد الراوي عبدالله الشيبة النعيمي في منطقة (سدروه) بإمارة رأس الخيمة، ليشتهر بحفظ وإلقاء الشعر ويصبح من رواة الشعر في الإمارات، وتعد سدروه من أقدم مناطق الإمارة، وعاش عبدالله فترة أيضاً في منطقة معيريض وهو لا يزال صغيراً، ودرس في مدرسة معيريض يحيط به مجتمع محبط مترابط، ومنهم منزل راشد النوخذا وعبدالله عبدالرحيم جكه (من باب المثال)، ولاحظ على نفسه ملكة الحفظ من خلال المنهج الدراسي، حيث كانت هناك قصائد للحفظ، ومن ضمن ما يذكره النعيمي أن الطلاب الأكبر عمراً لم يكونوا يحفظون مثلما كان، حتى أنه وهو في الصف الأول حفظ قصيدة لم يكن يحفظها من كانوا في الصف السادس، ومنحه المعلم هدية ريال مكافأة له ومن ذلك الوقت عرف أنه يملك شيئاً مميزاً، وفي المرحلة الإعدادية قرر حفظ الشعر بشكل أكثر جدية، وكان أول ما قرر حفظه هو معلقة طرفة بن العبد ثم تبع ذلك بحفظ المعلقات السبع، وواصل تعليمه حتى حصل على بكالوريوس من كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي التي أصبحت فيما بعد جامعة الوصل.
يعتز راوي الشعر النعيمي بأنه حفظ «صوت صفير البلبل» ويكون سعيداً حين يطلب منه أن يلقي قصائد مثل معلقة زهير بن أبي سلمى، وكان أكثر ما يجعله في تعجب هو استغراب المعلمين من حفظه للمعلقات، ويكبر وتكبر معه أرقام عدد ما يحفظ من قصيد، وتكثر الدعوات من جهات مختلفة ليحضر الأمسيات لأجل إلقاء القصائد، حتى تلك الأمسيات في الكليات والجامعات، حيث تجرى مسابقات في التحدي ويجد نفسه مشاركاً فيها، وأيضاً يلقى محاضرات ثقافية في المدارس ويحضر مجالس الأعيان، حيث يحب الأغلبية الاستماع إلى ما يحفظ من شعر، والى جانب ذلك كان شغوفاً بالقراءة في الأدب والكتب الثقافية المختلفة.
الراوي عبدالله النعيمي يجد نفسه أيضاً مشاركاً مع مختلف الجهات التي تقدم له الدعوة للمشاركة في الأمسيات الشعرية، ومن أبرزها الأمسيات الشعرية التي تقدم فقرة المساجلات، ولكنه يميل أكثر ليكون راوياً عن الشعر والشعراء، ومن أبرز من يجد نفسه مدفوعاً للحديث عنه زهير بن أبي سلمى، كونه عمر طويلاً ودائماً ما يكرر بين وبين نفسه الأبيات الأخيرة لمعلقته التي تحوي حكمه مثل (سئمت تكاليف الحياة ومن يعش..الخ )، ومن بحور الشعر تغرف ذاكرته الثمين ليقدمه في الأماسي لمن لديه شغف بالتعرف إلى الشعراء، ويحرص على مواصلة هذا الدور لأنه يجد أن الكثير من الشباب دروب بعيده عن هذا المجال، لاهتمامهم بالتقنيات الحديث والهواتف الذكية ربما للعمل أو مجرد هواية، ولذلك يواصل تبيان أهمية الشعر الجاهلي والحديث والنبطي لأنه مؤمن أن من الشعر حكماً وأن من البيان لسحر، وإن أبواباً يمكن أن تفتح ببيت شعر عبر رسالة تتضمنها الكلمات، كما إن أبياتاً قد توقد حرباً ولذلك لا بد للراوي الذي لديه ملكة الحفظ أن يتخير ما سيلقي على الحضور أو للناس عامة.
