من خلال أسرتين، وبطل الرواية فيصل المصاب بـ «كورونا» وفي بدايات كوفيد 19، وأفراد الأسرتين الإماراتيتين، نقرأ الحقيقة الموضوعية، وكيف أنها لا تُرى، بوصف الحقيقة طريقة تفكير، ليسرد الروائي الإماراتي علي أبو الريش هذه الرواية العميقة، وهو يغوص في نفوس الشخصيات، وما بها من حيرة وخوف، والأمل في بعض الأحيان، موثقاً فترة الخوف الأولى، ليأتي العنوان من عمق النص، وبالتالي من عمق الحياة وما أتى منها، من الانفصال عن بعضنا، وعن الإنسان بارتباطه (الزواج) أو عدمه، خاصة ما يتعلق بالتفكير في بدايات الانتشار، لتبدو البيوت ساكنة ثابتة في أرواح من بها، وحتى في أشجارها التي بدت كجدرانها، وبين التلاشي لأشياء، وصعود أشياء، وبدل أن تعانق الزقاق بعضها كما كانت، أصبحت وجهاً لوجه، لتتحول الأزقة إلى بشر، تنكمش وتخاف من الخبر.
ويمضي أبو الريش في سرد حكاية الحب، بين فيصل وحبيبته، وهما من عائلتين صديقتين، فأية قدرة خارقة تُحول هذا الحب إلى مادة لزجة، كما يصفها السارد، وتلتصق بها الأتربة، والغبار، ونفايات التاريخ. متسائلاً: كيف لهذا الفيروس أن يضع حداً لبقاء البشرية وبقرار منه، وهو بحجم اللا شيء؟
تأمل سردي
وبين التأمل السردي والأحداث، يرفض فيصل العلاج بعد دخوله في دوامة الخوف الشديد، وشعوره بهشاشة الحياة، هارباً إلى الصحراء، حيث المزارع، يسكن إحداها، ويراقب العامل كيف يتعامل مع الحيوانات، وهنا تصبح الرواية رواية أخرى بعمق الفكرة الأولى، من خلال المشهد المكاني بين الإنسان والبهائم، ليتأمل القارئ مدى الفروقات بينهما، حتى يشد السرد بخيالنا أمام مشاهد بسيطة لم تكن تجذب المنشغلين بالحياة والمادة، إلى هذا التاريخ الإنساني الذي أصبح أشبه بمحفظة رثة، حين تختلط أكذوبة الواقع، ولحظات السطور الأشبه بالنور لخيال القارئ الواسع، ويدخل في أعماق المحيط الشعوري للإنسان المنتكس. واصفاً السارد المبدع مشاعر لم توصف في كتب التاريخ، ويصبح (الخوف من شيء ما)، العنوان الحقيقي لهذه الرواية العميقة.
الجدير بالذكر أن الروائي علي أبو الريش، من مواليد 1956م بمنطقة المعيريض برأس الخيمة، تخرج في جامعة عين شمس في القاهرة بتخصص علم النفس، ولديه روايات مهمة ورائعة نشرها في ثمانينيات القرن العشرين، مثل: السيف والزهرة ورماد الدم، ونافذة الجنون، وتل الصنم... بجانب كتبه الفكرية.

