يتساءل الفنانون في مركز جميل للفن بدبي، عن المُكوّن، أو ما هي مكوناتنا؟ فقد نبدو ظاهرياً مجرد انعكاس لعاداتنا وبيئاتنا، ولكن لو تعمقنا في ذاتنا، لواجهتنا حالة من الارتباك والتخوف، وهذا ما يقودنا إلى التعمق أكثر في أنفسنا، نحو حجر الأساس لذواتنا، أي نحو جوهرنا.
التنقيب في الذات، والبحث عن الجوهر، مهمة شاقة ومعقدة، فعلى الرغم من السعي نحو الوحدة واليقين، لا نجد إلا المزيد من التشظي والتغيير، ما يقودنا إلى أن نستسلم لواقع مهيب وهو أننا مكونات.
فالجسد بشقيه المادي الملموس والمجتمعي المحسوس، ما هو إلا طين صلصال، بنية مادية متحركة، عجينة مطواعة من التاريخ والذاكرة والشعور والإحساس، إذن الجسد هو مزيج من كل ما نحبه ونتعلمه ونعيشه، والذات متغيرة بلا حدود: اسم، وشعار، وحلم. وفي ذاكرة الوجود، ويصبح الذات هي كل هذه الأشياء، هي وسيلة نحفظ بها أمسنا الذي غادر يومنا دون عودة، ونستقبل بها غدنا الذي لم تشرق شمسه بعد.
حوار
يهدف معرض «مُكون» إلى تسليط الضوء – والتقدير – على فكرة الذات المركبة، لتتشارك أعمال التكليف الفنية، بما تطرحه من مكونات، في وجود يكتنفه حوار مترابط. تتراكم طبقات هذه الأعمال مع الوقت، كما هو حال طبقات الأرض الصخرية المضغوطة على مدى ملايين السنين.
وتجتمع هذه الأصوات المركبة وتتحاور فيما بينها حول استخدام المكونات وتموضعها لتكتسب معنى جديداً تجميعياً، ليعمل «مُكون»، بجميع مركباته المتضمنة هنا، على تذكيرنا بقدرتنا على التغيير بالنمو البطيء والتقدم إلى الأمام رغم التآكل والتدهور.
الفنانان «بلال بشير» و«علي خليل»، يؤرخان الذات داخل مادية الشارقة المعاصرة، وذلك بتحفيز الحواس بطرق جديدة، ليناقش عملهما سبل مزج التاريخ الثقافي مع التجارة الحضرية، بعين تحتفل حركة التقدم الذي تشهد الشارقة وأخرى حداثتها.
أما «جويتو» و«مريم حداد»، فيقدمان صورة مرئية لمخاوف الذات المحددة بقوانين الكون ليتخيلا في عملهما تعددية الوجود ضمن حيز المكان. ومن جهتها، تقدم «أوجوست نوميكايت» ذاتاً مفعمة بمشاعر التوق، في مكان يتباطأ فيه الزمان ليمنحنا فرصة استيعاب ثقل كلمات الوداع.
فيما تشعر «ديمة أبو زناد» بالذات في أصواتها، منغمسة في ضوضاء وأصوات وتفاعلات المجتمع من حولنا. وبالتوازي مع ذلك، يشدد «عبدالله العبورة» على انتماءات الذات غير المستقرة، شعور المرء بالتعلق بين التقليدي والمستحدث.
ويقدم «آسي أبو غادو» لنا ذاتاً مغمورة في ذكريات العوالم الرقمية، حيث يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لاستذكار التجاوب المجتمعية، وعلى مقربة، نجد «ناثانيال إنريكيز» وهو يمنحنا ذاتاً مسحورة من جديد على هيئة جسد في أحضان الطبيعة، ليحتفل بقدرة الإنسان على التفاعل الإيجابي بما تحمله المناظر الطبيعية من معانٍ جميلة وغضة.
وكذلك نجد «راعي فرح» وهي تغوص في أفكارها مع ذات تبحث عن التوازن المتزامن بين جميع ازدواجيات الذهاب والإياب، بما في ذلك العفوية والمساءلة الاجتماعية.
من جانبها، تقدم «آلاء عبدالنبي»، ذاتاً محملة بجراح التاريخ، في تصورات مرئية للذاكرة الجماعية وجرائم النهب الأثري.
أما ذات «كارنو داسفويتا»، فنجدها منكسرة بسبب صراعاتها الداخلية بين طرق تقديمها المختلفة لذاتها، في محاولة بائسة للتخلص من جروح الميراث الثقافي والجسدي، لتخفيف آثارها المعاصرة.
تطفو هذه الأعمال التكليفية وسط مجموعة عن المنحوتات واللوحات والصور الفوتوغرافية من مجموعة مؤسسة فن جميل والتي تتمحور حول نفس موضوعات سبل تكون الذات، وذكرياتها المقولبة وتركيباتها المهجنة. لتبقى الذات هي من صلصال مقولب، والفرد هو انعكاس للمجموع.


