تعالج رواية «ملجأ الزمن» للشاعر والمسرحي البلغاري جيورجي غوسبودينوف، مفاهيم الهوية بأبعادها الفردية والمجتمعية والتاريخية. وتعد «ملجأ الزمن» الرواية البلغارية الأولى التي تفوز بجائزة البوكر العالمية للأدب.
فعلى صفحاتها يرفرف شبح الماضي كنقطة التقاء بين زمنين، لتظهر خطر الذاكرة الانتقائية في ظل موجة حنين كانت تجتاح أوروبا مؤخراً إلى حقبات سابقة.
عيادة الزهايمر
تدور حبكة الرواية عن طبيب نفسي ينشئ عيادة في سويسرا لمرضى الزهايمر، تشتمل على طوابق كل منها مصمم بأدق التفاصيل لإعادة إنشاء أجواء مراحل زمنية من عمر مرضاه بهدف مساعدتهم على الاحتفاظ بذكرياتهم. من ماركات السجائر والمجلات وغيرها من المواد، تسمح الملاجئ الزمنية العلاجية للمرضى، عقداً بعد عقد، بالعيش في أوقاتهم الزمنية في «مساحات آمنة».
وستحقق تجربته نجاحاً كبيراً إلى درجة أن يجري تبني فكرته أبعد من جدران المستشفى، وتشهد عيادته تدفق أصحاء يريدون الهروب من أهوال الحياة العصرية، لينطلق في سياق ذلك صراع بين الماضي والحاضر.
منتهى العزاء
يكتشف قارئ الرواية أن العيادة ليست مكاناً يعالج فيه الطبيب النفسي غوستين المرضى فحسب، بل تشكل طريقة للراوي لاستكشاف القرن العشرين في أوروبا من خلال الصدمات النفسية أو الأشخاص المحطمين. وفي الرواية، لن يسهم الحنين في إعادة الأشخاص إلى تجاربهم الفعلية بل إلى ذكرى ما يرغبون بتخيله. شرطي سري سابق يتخيل إعادة حياة رجل اضطهده وأبلغ عنه، ومريض روماني يجد العزاء في تذكر ليس ما اختبره في حياته ولكن لحياة متخيلة في الولايات المتحدة. ويصبح التمييز بين الماضي والذاكرة ضرورياً عندما يجري اختطاف فكرة الطبيب النفسي من قبل السياسيين.
سخرية وكآبة
وصفتها رئيسة تحكيم الجائزة، الكاتبة الفرنسية المغربية ليلى سليماني، بـ«الرواية المليئة بالسخرية والكآبة»، و«عمل عميق يتعامل مع قضية معاصرة للغاية، وهو ماذا يحدث لنا عندما تختفي ذكرياتنا» مشيرة إلى أن الكاتب نجح بشكل رائع في التعامل مع مصائر الأفراد والجماعة في روايته.
وترصد الرواية تسليح الحنين إلى الماضي في عالمنا المعاصر. فالكل يريد قطعة من الماضي، محطة إذاعية تلعب لأيام كاملة عن عقود محددة، وتخيل أحزاب سياسية تروج لعقود مختلفة من تاريخها القومي، واستفتاءات وغيرها، تعكس واقعاً مضحكاً وعبثياً لكنه أيضاً مخيف.
كان الروائي البلغاري قد تحدث لموقع الجائزة عن مخاطر الشعبوية في أوروبا. وتمتاز كتاباته، وفق نقاد الأدب، بإدخال روح الدعابة في الكآبة، بأسلوب تتدفق منه عاطفة صادقة من دون أوهام، وإحساس رقيق للغاية مع لجوء إلى السخرية.
