هل أصبحت المنصات الرقمية فضاء بديلاً ومثالياً لينشر المبدع كتاباته، ومن ثم الاستغناء عن خدمات دور النشر ومطابعها أم أن هذه المساحات الرقمية خلطت الحابل بالنابل، وغرقت في الفوضى، كونها في متناول كل شخص؟ وهل نتخيل عالماً من دون الكتاب المطبوع، الذي يبقى لدى الكثيرين جزءاً من القارئ بملمسه وأوراقه؟
«البيان» استطلعت آراء ثلاث شاعرات سوريات في هذا الموضوع وواقعه وإفرازاته في الساحة الثقافية السورية.
الشاعرة عبير سليمان رأت في هذه المنصات فضاء بديلاً ونافعاً، فعلاً، يُمكن للشعراء والأدباء نشر إبداعاتهم عبره؛ لأنه ألغى احتكار أسماء محددةٍ للمنابر والمنصات الرسمية والتقليدية، وحرر المبدعين مِن مظهرين سلبيين، الأول: تحكُّم بعضهم بالمشهد الأدبي عبر تكريس هذا الاسم أو إقصاء ذاك، بِغض النظر عن القيمة الفنية.
والثاني: دعوة موظفي الإعلام ومديري المهرجانات للأدباء أو الشعراء استناداً إلى نجومية الشاعر أو إلى العلاقات العامة التي يتمتع بها، فأصبح الضوء متاحاً لِبعض الأدباء مراراً وتكراراً بينما يمتلئ الهامش بعشرات المبدعين مِمّن لا يتزلّفون لأحد ولا يفضلون منطق السوق الرائج.
حفلة فوضوية
كما عدّت سليمان، بالمقابل، أن ما يؤخذ على هذا الفضاء البديل؛ اختلاط الحابل بالنابل، إذ ظهرت بعض الصفحات التي تروّج لكتّاب لا علاقة لهم بالأدب والشعر، في حفلةٍ فوضوية للغاية تسيطر فيها النصوص الخالية تماماً من القيمة الفنية.
وأشارت إلى أن أسباباً عديدة أدت الدور الأساسي في تراجع مسألة النشر وإقبال الناس على شراء الكتاب، ولا سيما في بعض الدول العربية، فالظروف المعيشية قاسية في البلاد التي تعرضت للحروب، وأهلها منشغلون بلقمة العيش وتلبية الحاجات الأساسية قبل شراء الكتب، التي أصبح الحصول عليها ترفاً في الآونة الأخيرة.
وخصوصاً أن سعر بعضها يبلغ أكثر من نصف قيمة الراتب الذي يتقاضاه الموظفون في البلاد المنكوبة، فانصرف عشّاق القراءة إلى مطالعة الكتب الإلكترونية عوضاً عن اقتناء الكتب الورقية.
وتتابع: أما بالنسبة للكتّاب والأدباء، فمن المؤسف القول إنهم تأثروا، كذلك، بتلك الأزمات الخانقة التي تجعل قدرتهم على طباعة الكتب شبه مستحيلة نظراً لغلاء التكاليف، ناهيك عن الدور السلبي الذي تؤديه بعض دور النشر وأصحابها الذين يفكرون بذهنية تجارية.
فضاء حر
الشاعرة والقاصة نور الموصلي قالت في حديثها للبيان: قد يكون انتشار وسائط التواصل الاجتماعي ساعد الأديب بشكل أو بآخر على إيصال كلمته إلى عدد كبير من القراء، وأعطاه فضاء حراً يستطيع أن ينشر عبره كل أفكاره بحرية تامة، واختصر المسافات وقرب البعيد وربط بين أهل الأدب، ولكن لا يمكننا أن نعد هذه الوسائط منابر بديلة للمنصات الأدبية.
وأضافت: هنا تراودني أسئلة جوهرية: هل سيسجل التاريخ قصيدة نشرت على فيسبوك مثلاً مهما بلغت عظمتها كما فعل سابقاً مع أمسيات الكبار الشعرية التي وصلت إلينا؟ وهل ستتلاشى المراكز الثقافية والمنابر الأدبية بعد حقبة من الزمن ويستعاض عنها بالغرف الإلكترونية؟
ولو كان بيننا الشاعر الكبير محمود درويش هل كان جمهوره سيكتفي بمتابعة قصائده إلكترونياً ولا يتهافت إلى المدرجات لحضور أمسياته؟ ثم هل يغني النشر الإلكتروني عن النشر الورقي وتغلق دور النشر أبوابها ويكتفي القارئ بنسخ إلكترونية من مادته التي يحب؟
وتابعت: لست ضد النشر الإلكتروني، ولا أنكر مزاياه العديدة من سرعة وتوفير وانتشار واسع، والتي تغري الكثيرين من الكتّاب وتوفر الكثير على القراء، ولكن لا أستطيع أن أتخيل العالم خالياً من رائحة الورق وملمسه بين الكفين، وهو الأقدر على حفظ نتاج الأديب، ونقله وتمريره إلى الأجيال القادمة، والاعتماد كلياً على وسيلة إلكترونية قد تنسف تاريخاً من الإبداع وتقود الحالة الثقافية إلى التدهور.
أثر كبير
«سيدرا الأسعد» قالت في حديثها لـ«البيان»: إنّ قيام الشاعر بنشر نتاجه عبر المنصات الرقمية، أسهم بشكل كبير في سرعة انتشاره، وكما أرى؛ فإنّ ذلك كان له الدور الأكبر في تلاقح الثقافات والأفكار، وكسر الحدود بين سائر محبّي الشعر خصوصاً، وروّاد مواقع التواصل الاجتماعي عموماً... مع أنني أرى أنّ هذا الأمر كان له تأثيره السلبي في واقع الساحة الثقافية، فهو سلاح ذو حدّين.
وذلك إذا ما نظرنا من الجانب الآخر، إذ نجده قد أسهم كثيراً في وصول كل ما هبّ ودبّ إلى المنابر، وبات عدد الشعراء يفوق عدد جمهور الشعر في غالبية الأحوال، وأصبح المشهد الثقافي يعاني الضبابية وأوجاع الرئة اللغوية، وهذا أمر خطير.
وتابعت: بالنسبة لي، وبكل شفافة أقول إنّ سبب اتجاهي إلى فيسبوك لنشر نتاجي الشعري كان بسبب الإهمال الكبير للشعر، وانحسار دوره فكانت قلّة الاهتمام بالكتّاب والشعراء من جهة، وضيق الحيلة والأحوال من جهة أخرى ما دفع ويدفع غالبية الشعراء باتجاه مواقع التواصل كي يستطيعوا إيصال أصواتهم وما تختلج به أفئدتهم.
وأضافت: من المؤكّد أنّ النشر التقليدي لم يعد بكل تلك الأهمية التي كان عليها سابقاً إذ أصبح روّاد مواقع التواصل يحصلون على مبتغاهم بكل سهولة ومع هذا أرى؛ أن لا شيء يُغني عن النشر والتوثيق بالطرائق التقليدية، صحيح أنّ شراء الكتاب قد تراجع بشكل كبير لعدّة حسابات ومنها سوء الأحوال المعيشية أوّلاً وسهولة الحصول على الكتاب عبر الإنترنت ثانياً ولكن يبقى لعشّاق الكتاب اللذة المشتهاة من التماس مع رائحة الورق وتبقى الحميمة الآسرة التي تحدث عند التوحّد بين القارئ والصفحات لها رونقها الخاص.


