تتسم الرواية الإماراتية المعاصرة بتعدد الأصوات، والاتجاهات في الكتابة السردية، ما يضفي عليها طابعاً من التنوع والتجديد باطراد مستمر، وينبئ بأفق واعد، ومزدهر في تنوع موضوعاتها ما بين التاريخية والواقعية، وكذلك الاجتماعية، وخلال رحلتها تدرجت في محاورها، وفصولها الغنية بالثقافة الشعبية والمفردة الإماراتية ما بين ضروريات وجماليات الكتابة عن الماضي ومكوناته، والاستجابة إلى متغيرات الواقع المعاصر.

سرديات الماضي

وتقول الكاتبة والروائية نورة الطنيجي: إن الكتابة في الأدب الإماراتي لها مكانتها الرفيعة منذ زمن، حيث تزهو الإمارات بتراث زاخر، وأهازيج فاخرة، وأناس طيبين يقطنون صحاريها الوفية برمالها الناعمة، ومن هنا نجد أن الرواية الإماراتية لها جماليات أخاذة، تأخذنا عبر صفحاتها إلى الوقت، الذي كان يخلو من شوائب التكنولوجيا والتقنيات الحديثة؛ كأن تكون الجِمال وسيلة للنقل بين البقاع، وأن يكون الأثمد كحلاً تتزين بها أعين القوارير، وأيضاً أن ترسم «التيلة» المبسم الشقي على أطفال الفرجان الإماراتية، وغيرها الكثير من الجماليات، التي انصاع لها أقلام الكتاب الإماراتيين المبدعين في وصف ماضي الإمارات الجميل في رواياتهم.

نضوج فكري وتضيف الطنيجي: تتصاعد أحداث الرواية الإماراتية لتستجيب محبة وفخراً، لمواكبة تغييرات واقعنا المعاصر، والذي بات من أولوياته الاعتزاز الوطني، حيث تشهد الإمارات أحداث نقلتها النوعية من تشييد عمراني ونضوج فكري ومعرفي في ما يتعلق باستخدام التقنيات والاهتمام بعوالم الفضاء، وكل تلك الرؤى باتت ركيزة أساسية للرواية الإماراتية المعاصرة والجاذبة لعقل الشباب الواعد.

وتؤكد الطنيجي أن هناك جسراً رفيعاً يسمى بالـ«الزمن المتداخل» يربط بين الكتابة الروائية في الماضي، والكتابة الروائية المعاصرة، وهذا النمط من الكتابة بات يخدم الأدب الروائي في مسألة طرح التسلسل المنطقي الواقعي للرواية، ويهدف إلى جذب مخيلة القارئ، ليتنقل عبر الأزمنة، وهو يقرأ الرواية الإماراتية. أنا شخصياً كوني روائية استخدمت هذا الأسلوب الكتابي في طرح التسلسل الزمني في رواياتي تخليداً لجمال الماضي الأنيق، الذي ننعته بزمن الطيبين، وأيضاً لجذب القارئ على ما تشهده بلادنا الإمارات من رونق ساحر في زماننا بروح التطور والاستدامة، ولتبيان ملامح الإمارات، التي باتت تفتن أعين من يراها.

مراحل

وتشير الكاتبة والروائية فتحية النمر إلى أن الرواية وسائر الأشكال الأدبية الأخرى في الإمارات مرت بمراحل، وهي أولاً التعبير عن تفاصيل الحياة القديمة وظروفها المادية، والتمسك بالقيم والعادات والأخلاق، التي كانت شعارهم وسلاحهم، لمواجهة الصعوبات، وعبر الكتاب بمحبة وفخر عن هذا الواقع، وأنجزوا روايات لافتة.

وتوضح النمر: وجاءت بعدها المرحلة الثانية وهي النفط، وما ترتب عليها من تغير في المجتمع هذا التغير، الذي كان في البداية، لذا شحذ الكتاب أقلامهم، وراحوا يتناولون الظواهر الجديدة، التي عرفت طريقها إلى الناس، وبعض القضايا الأخرى، والتي تمثل تهديداً للقيم والأعراف، وحاولوا تحليلها والاقتراب من الحلول، إضافة إلى المرحلة الحالية حيث راح بعض الكتاب يرسم صورة لإنسان العصر ومخاوفه وطموحاته وأشواقه.

وتضيف النمر: بالنسبة لي كانت كتابتي عن المرحلة الأخيرة، وهي البداية مرحلة المجتمع المتطور بصورته اليوم،والإنسان العصري، الذي يمثله أغلب الناس، لم أشعر بالمرحلتين الأولى والثانية، ولم أفكر في الكتابة عنها، لأنني كنت متغلغلة في المرحلة الأخيرة، وكنت أتابعها، وأعتقد أنها منطقية ولازمة. ومنذ سنوات وكأن هناك من جرني من يدي، وجعلني في مواجهة الماضي الطيب والجميل، والذي لم يكن فيه ما يقلق إلا تأمين الرزق هذا الماضي، الذي رحت أنظر إليه كخشبة الخلاص والنجاة من التغول والانفتاح، وما ارتبط بهما من قيم جديدة، تشكل خطورة على النشء لأنه راح ينسلخ عن ماضيه، ويرفض الاستماع إليه، ويعده دليل التأخر والتخلف.