في سوق يجمع ما بين العراقة والحداثة في دمشق القديمة، قبب وأعمدة قديمة تتمازج مع واجهات محلات تجارية تعرض أقمشة زاهية وبدلات عرائسية غاية في الجمال، تترافق بعبارة تفضلي يا ست، التي تعبر عن احترام التاجر للزبائن، لتكون تلك العبارة هي اسم هذا السوق.

تصميمه وبناؤه جعله يتميز عن باقي الأسواق في دمشق، فيما فرض التخصص ببيع منتجات خاصة للنساء تمتع أصحاب المحلات بذوق رفيع في وقت يعملون بجد على مواكبة تطور الألوان والأقمشة، بالتزامن مع التطور التكنولوجي الهائل وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

سوق تجاري

قال التاجر نبيل عابدين لـ «البيان» إن هذا السوق بني خلال فترة الوالي العثماني مراد باشا عام 1608، وكان يسمى بخان الجمرك، وتحول في عام 1864م إلى سوق تجاري، حيث كانت جميع القوافل التجارية التي تأتي إلى دمشق تدخل إلى هذا الخان لدفع الجمركة والضرائب على المنتجات، وكان التجار ينامون فيه أو في الخانات المجاورة حتى تنتهي أعمال الجمارك.

ويضيف عابدين، الذي ورث متجره عن والده، إن هذا السوق تطور في الأربعينيات من القرن الماضي، وتوسع التجار في جل الأقمشة والبضائع، وفي السبعينيات اشتهر هذا السوق باسم سوق «تفضلي يا ست»، وذلك دلالة على جملة شائعة كانت تقال من التجار للزبائن من النساء عند مرورهن بالسوق، دلالة على تكريمهن، وذاع صيت السوق بشكل واسع عند السياح العرب والأجانب.

وأوضح أن ظهور الأسواق المتخصصة في دمشق قديماً دليل على قوة وتنوع الاقتصاد لأنها مركز تجاري مهم في المنطقة ومقصد للتجار من كل أصقاع الأرض، وتعبر عن عقلية التاجر الدمشقي.

تحفة معمارية

يعتبر «تفضلي يا ست» من أجمل الخانات في دمشق القديمة، وذاع صيته بشكل واسع عربياً وأوروبياً واشتهر بقبابه الأثرية كونها تحفة معمارية. ويقع الخان/‏‏‏السوق، على امتداد سوق الحميدية عند أعمدة معبد جوبيتر، ويأخذ شكل زاوية قائمة، وهو مسقوف على خلاف معظم خانات دمشق ذات الباحة المكشوفة.

ويرتكز السقف على أعمدة قوسية أبلقية تحمل تروس القباب والبالغ عددها 6 من الحجم المتوسط. وللخان واجهة يبلغ ارتفاعها قرابة 6 أمتار، مبنية بمداميك أبلقية (تناوب الحجارة السوداء والبيضاء) تتوسطها بوابة كبيرة ذات مصرعين وفوقها نافذة بشبك حديدي.

أذواق صعبة

ويقول عابدين إن «سوق تفضلي يا ست» متخصص بتجارة الأقمشة النسائية وبدلات العرائس وغيرها، فالغالبية العظمى من الزبائن من السيدات، وأذواقهن تكون أصعب من أذواق الرجال، وهذا يتطلب من التاجر أن يكون مدركاً لهذا الأمر، وخصوصاً بعد انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

إذ أصبحت طلبات الزبونات نوعية أكثر وأذواقهن أصعب خصوصاً في موضوع تدرجات الألوان، وهذا يختلف عما كان سابقاً. ويتابع: سابقاً كانت عقلية الزبونة نمطية والمطلعات على الموضة كانوا يحضرون معهم مجلة متخصصة بالأزياء.

وذلك لاختيار الأقمشة والتفصيلات. وتابع: «لا يمكن حصر عدد الأقمشة اليوم ولكن المتداول بحدود 200 نوع قماش، ولكل نوع تفرعات وسماكات ونقشات، بالإضافة إلى تدرجات لونية لا تعد ولا تحصى»، وأردف قائلاً: «كل 3 أشهر تقريباً نرى نوعاً ولوناً جديدين، فيما كان الرائج منذ حوالي 35 عاماً نحو 7 أنواع قماش و10 ألوان فقط».

مواكبة

ويستطرد عابدين: أن تجار هذا السوق مواكبين لهذه الموضة لاستمرارية تجارتهم، مشيراً إلى أنه من الصعب جداً أن يدخل تاجر جديد إلى هذه المهنة، مبيناً أنه يوجد في السوق 47 متجراً متخصصاً بالأقمشة النسائية فقط . ويتابع أن 90 % من أصحاب المحال في هذا السوق هم ورثة آبائهم الذين كانوا يعملون في هذا المهنة، و10 % من المتاجر تم بيعها بسبب كثرة عدد الورثة أو عدم وجود أحد من الورثة قد عمل بتجارة الأقمشة من قبل.