الراوي.. زاوية تبرز الرواة ممن توارثوا مهارة السرد ونقل المضامين من الذاكرة إلى الواقع، وذلك عبر المجالس والاجتماعات والفعاليات، متناولين التراث المحلي الإنساني عبر السنوات، أباً عن جد، ومعالجين عدداً من القضايا الاجتماعية، ليسلطوا الضوء على التراث والشخصيات والقبائل، خاصة أن لكل منهم أسلوبه المميز للحديث عن الأماكن والقبائل.

وفي الشعر والقصص والمواقف البطولية، يعتبر الراوي الذاكرة الحية التي تضيء لمن أُشكل عليه أمر أو معلومة ما، وهو المعلم في مجال سرد المعلومات التي تناقلتها الأجيال، ليكون الراوي بذلك الوجهة التي يقصدها الباحث للحصول على أصل المعلومة، فضلاً عن الجهات الرسمية التي تقصده في مناسبات كثيرة للهدف ذاته، ولكن اليوم، ومن هنا، نتوجه للرواة لنقدم نبذة عن حياتهم، توثيقاً لسيرة مختصرة عن كل منهم، تكريماً لهم ولدورهم الإنساني.

أن تكون راوياً معروفاً في المجتمع فذلك يعني أنك بذلت الكثير من الجهد لتمتلك ذخيرة من المعلومات الموثوقة والمدعومة بالأدوات؛ وهذا ما حدث مع الراوية موزة عبدالله بن حضيبة، التي ولدت في إمارة عجمان في الفريج الشرقي، حيث قطفت الحكمة والأصالة من الأهل والأسر المجاورة، الذين تجمعهم المحبة والإحساس ببعضهم الآخر، وقد تعلمت موزة من والدتها وجدتها الأقوال والحرف والصناعات اليدوية.

كما أمضت طفولتها مع الأطفال في (الفريج)، وقبل أن تصل إلى مرحلة الوظيفة، احترفت مهارات الخياطة وحَبْك الخيوط لصنع التلي، ليكبر معها حبها لمواصلة التعلم من خلال مراقبة السيدات وهن يعملن في الحرف اليدوية، لتلتحق بدورات تدريبية طورت لديها مهارتها اليدوية المميزة.

في لقائها مع الدكتور عبدالعزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، شجّعها على المشاركة في المهرجانات والفعاليات، لتعرف الناس بموروث الحرف اليدوية، حيث تم تعيينها رسمياً بصفة «راوٍ» في معهد الشارقة للتراث، وعلى الرغم من خجلها فإنها كانت تشجع نفسها على حمل رسالة نقل المعلومة الصحيحة وشرح كل ما يتعلق بالموروث سعياً للاستمرار في تداوله عبر الأجيال، كونه جزءاً من حياة الإنسان الإماراتي.

وأيضاً لتعريف الشعوب بالكنوز الإنسانية المتوارثة. ولا تزال موزة تعمل على نشر ما لديها من مخزون منذ مهمتها الرسمية، أي نحو عشرين عاماً، مقدمة امتنانها لوالدتها وجدتها، بعد الله سبحانه؛ لما هي عليه اليوم، حيث وصلت إلى مرحلة المشاركة في البرامج التلفزيونية ونشر الصور التي تعبق بالأصالة الإماراتية من خلال كلماتها وأسلوب سردها البسيط الراقي.

تجد الراوية بن حضيبة أن ما يتعلق بالإنسان في جميع دول العالم يستحق أن ينقل، ومن حق الأجيال أن تحظى بما ينشط الخيال لديهم حول حياة الأسرة الإماراتية وخصوصية طرقهم المعيشية؛ ولذلك لا تدخر جهداً في السعي لامتلاك كل ما هو قديم ليكون من ضمن أدوات الشرح حين تسترسل في الحديث في أي مناسبة، ولهذا أصبح لديها مكان منسق يضم تفاصيل صغيرة تؤدي دورها في منح ذلك الانعكاس، الذي يعيد مشاهد غالية للذاكرة من الماضي، ويمنح للأجيال التي جاءت بعد قيام الاتحاد خيالاً لتصور الحياة سابقاً.