هو سيد الأطباق الشعبية في البيوت الإماراتية، وانتقل مذاقه وشهرته للمائدة العربية، بعد أن غزا قلوب من تذوقه، وتحول إلى نجم معتبر على الموائد في مختلف المناسبات، لا سيما مناسبات العيد، بما يعكسه من موروثات اجتماعية، ترتبط بتفاصيل الحياة اليومية للإنسان الإماراتي، ويتنقل بلا استئذان على صفحات ذكريات أبناء هذه الأرض الطيبة.
وتمتعت هذه الوجبة بشعبية عالية، لمواكبتها الأعياد والمناسبات، ويحرص معظم الأهالي على إبقائها عادة ووجبة أساسية في الأعياد وحفلات الزفاف رغم تعدد الوجبات، فقد استطاع «الهريس» أن يحتفظ بموقعه العامر في موائد الأعياد، بل امتد إلى الموائد العربية الأخرى، وتنشط المطاعم المشهورة بالهريس في تلبية طلبات هذه الوجبة الشعبية العريقة.
و«للهريس» طقوسه الخاصة لإعداده وتجهيز مكوناته قبل المناسبات الكبيرة مثل شهر رمضان والأعياد، حيث تجتمع النساء في جماعة أو بشكل منفرد ويضعن الحبوب في المنحاز، وهو وعاء أسطواني خشبي، يبلغ طوله متراً تقريباً وهو مجوف من الداخل، وتبدأ بعدها عملية ضرب الحبوب حتى تصل إلى مرحلة تكسير وطحن الحبوب، والتي غالباً ما تقوم بها النساء ذوات البنية القوية، ويصحب هذه العملية الشاقة إيقاع وغناء يعد من أغاني العمل لتسهيل هذه العملية للنساء «يالله ويالله، يا كريم يا هو»، وإذا كانت العائلة ميسورة الحال تأتي بأكثر من منحاز، ويطبخ الهريس مرة على الأقل أسبوعياً بالبيوت فيما يتم إعداده بشكل خاص في مناسبة العيد.
طريقة تحضير
وتغيرت طريقة تحضير الهريس بتغير الوسائل المستعملة في طبخه عن تلك التي كانت سائدة في الماضي، ويبرز «الحب» الذي يسمى محلياً «البر» كواحد من المكونات المهمة في إنضاج وجبة الهريس، ويتم غسل اللحم في البداية، ويطبخ بعد ذلك في ماء ساخن، ويوضع عليه الهريس في «القدر»، فإذا كان وزن الخروف 6 كيلو جرامات مثلاً تحتاج إلى 5 كيلو جرامات من الدقيق، وهي أقرب إلى معادلة تقديرية بين كمية اللحم وكمية الحب، ويجرد اللحم من جميع العظام، ثم يوضع على موقد النار لفترة تمتد إلى أربع ساعات حتى ينزل الهريس إلى أسفل القدر، ويطفو الماء إلى الأعلى، ومن ثم يغطى قدر الهريس بأكياس من القماش مبللة بالماء حتى لا يتسرب البخار الموجود في الهريس، ثم ينقل الماء الذي استقر في الأعلى، ويسكب في وعاء آخر حتى يتم ضرب الهريس بعد هذه العملية وتمزج جيداً باللحم، ويستخدم «المضراب الخشبي» في عملية المزج باعتبارها وسيلة قديمة وتقليدية كان أهالي الإمارات يستخدمونها في السابق، وبعد الانتهاء من إعداد الهريس تدهن من الأعلى بالسمن البلدي لتضيف مذاقاً ألذ وأطيب، وينقسم الهريس إلى شقين، الأول يصنع بمزج اللحم به، والثاني بمزج الدجاج، ويميل معظم الناس لـ«الهريس باللحم».
وجبة مهمة
ويعتبر أحمد راكان، أحد لاعبي كرة القدم السابقين في نادي عجمان، أن الهريس من الوجبات المهمة للرياضيين لما تحتويه من فوائد غذائية وتعويضية كثيرة، في جميع أيام السنة، وتحوي وجبة الهريس العديد من الفوائد الصحية والعناصر الغذائية والفيتامينات والمعادن وأهمها فيتامين ب1، فـاللحم وحب الهريس مصادر غنية بفيتامين ب1، والهريس الإماراتي يعتبر مصدراً مهماً لعنصر «الثيامين»، الذي يتواجد أيضاً في الحبوب النباتية الكاملة المستخدمة في إنتاج الدقيق والمكسرات والبقول والخميرة وكذلك في الخضراوات والفواكه واللحوم ومنتجات الألبان، ويُنصح الرياضيون بتناول الهريس كونه وجبة أساسية، خلال شهر رمضان المبارك لكونها وجبة متكاملة غنية بالكربوهيدرات، والألياف، على أن تؤخذ بكميات قليلة على موعد الإفطار، وضرورة الاهتمام بالعصائر والفواكه الطبيعية، وتناولها قبل ساعتين من موعد التدريبات.
طبق أصيل
والهريسة أكلة عربية أصيلة جاء في لسان العرب لابن منظور في القرن الثامن الهجري: (الْهَرْسُ: الدَّقُّ، وَمِنْهُ الْهَرِيسَةُ. وَهَرَسَ الشَّيْءَ يَهْرُسُهُ هَرْسًا: دَقَّهُ وَكَسْرَهُ؛ وَقِيلَ: الْهَرْسُ دَقُّكَ الشَّيْءَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ وِقَايَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ دَقُّكَ إِيَّاهُ بِالشَّيْءِ الْعَرِيضِ كمَا تُهْرَسُ الْهَرِيسَةُ بِالْمِهْرَاسِ. وَالْمِهْرَاسُ: الْآلَةُ الْمَهْرُوسُ بِهَا. وَالْهَرِيسُ: مَا هُرِسَ، وَقِيلَ: الْهَرِيسُ الْحَبُّ الْمَهْرُوسُ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ، فَإِذَا طُبِخَ فَهُوَ الْهَرِيسَةُ، وَسُمِّيَتِ الْهَرِيسَةُ هَرِيسَةً لِأَنَّ الْبُرَّ الَّذِي هُوَ مِنْهُ يُدَقُّ ثُمَّ يُطْبَخُ، وَيُسَمَّى صَانِعُهُ هَرَّاساً.
وذكر «الهريسة» في كتاب «الطبيخ» لابن سيار الورّاق في القرن الثاني عشر ميلادي كالآتي «يعدّ الهريس لدى بعض القبائل أو الطوائف وجبة مناسبات مثل الطهور أو ختان الأولاد أو ختم القرآن، وكذلك يُطبخ الهريس للنذور، فإذا أراد شخص أن ينذر نذراً يقول: سوف نطبخ قدر هريس».
