اتجهت الرواية الإماراتية في خطابها المعاصر إلى توسيع نطاق التجريب، وزيادة الإيقاع الروائي المعاصر، عبر الانفتاح على الموروث الشعبي والأسطوري، بما يحمل من أفق رمزي وحمولة ثقافية ومنظومة قيمية، ما يوسع فضاءات التأويل في النص الروائي.

ويتيح للكاتب مساحة أكبر للتحرك في هذا الفضاء موضوعاً وأسلوباً ومعنى، لأن للموروث الشعبي غايته، التي لا تنفد، ورصيده السردي، الذي لا ينتهي، فهو مفتوح على القراءة والتأويل، كما هو مفتوح على الذاكرة السردية المعاصرة، واختبار للذاكرة الشعبية في قراءة واقعنا الإنساني.

الرصيد الشعبي

وحول الرصيد الشعبي في السرد الروائي الاماراتي المعاصر يقول عضو المجلس الوطني الاتحادي المدير التنفيذي لمؤسسة وطني الإمارات ومؤلف كتاب «الأرملة السوداء» ضرار بالهول الفلاسي:

«يأتي استلهام الرصيد الشعبي في السرد الروائي، لتأصيل وتوثيق الذاكرة الشعبية في الذاكرة السردية المعاصرة، من خلال الترابط بين الحكاية الشعبية ودلالاتها وحمولتها الثقافية، وبين دلالاتها في الواقع الاجتماعي المعاصر، أي حين نزج بتلك الحكايات الخرافية في السرد الروائي بآلياته المعاصرة إنما نزج بالزمن والآلية، والنسق الثقافي في زمن آخر، ونسق آخر لاختبار تلك الأنساق الموغلة في الزمن في أنساقنا المعاصرة».

قيم الخروفة

ويتابع ضرار بالهول الفلاسي: «إعادة الخطاب الروائي الإماراتي المعاصر لإنتاج الميثولوجيا الشعبية يعيد إلى الذاكرة الشعبية وهجها في سرد الحكايات، بقيمها التي تضمرها وأهدافها وغاياتها الاجتماعية، التي نشأت على أساسها المتمثلة بالمتعة والتنشئة الاجتماعية والتوجيه الأخلاقي.

وهذا ما تنطوي عليه «الخروفات» في إرثنا الإماراتي الأصيل، فلكل انحراف خلقي أو انحلال اجتماعي خروفة، تتمثل في كائن خرافي مخيف، مهمته ردع من تجرأ على تجاوز تلك الحدود، وهذا ما حاولت توضيحه في روايتي «الأرملة السوداء».

خطاب معاصر

ويؤكد بالهول أن الثقافة الشعبية الإماراتية تمتلك رصيداً عميقاً، وإرثاً قيمياً أصيلاً، قادراً على توسيع مساحة الدهشة في أي رواية تستلهمه، وبالتالي فإن استلهام الرواية الإماراتية المعاصرة لهذا الرصيد من الدهشة بآليات الخطاب المعاصر هو الفضاء، الذي يؤصل هذه الرواية، ويوسع أفقها الاجتماعي والإنساني، كما يوسع أفقها البنائي، والأسلوبي، وهنا تتعدد أساليب الكتاب.

كما تتعدد رؤيتهم لهذا الاستلهام، فلكل أديب مذهبه وأسلوبه، وغاياته وأهدافه، التي يختبرها في هذا التجاذب بين الإرث الشعبي وبين السرد الفني المعاصر، إلا أن كل تلك الأساليب على اختلافها في المبنى والمعنى، في الزمان والمكان، تصب في هدف واحد هو ربط ماضي الأمة وتاريخها بحاضرها ومستقبلها، من دون الغفلة عن الغاية الجمالية التي تتمثل في الآليات الجمالية للخطاب الأدبي.

من جانبه يقول الدكتور عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث: «إن الشخوص الخرافية في الثقافة الشعبية تمتلك دوراً كبيراً في بنية النص الأدبي المعاصر الاماراتي في ما يتعلق بالرؤية السردية في هذا المجال، وتشكيل عناصره البنائية المختلفة.

وبالتالي طرح بصمتها الجمالية من عناصر الإثارة والتشويق، ورفع مستوى الدهشة والترقب لدى المتلقي، وفقاً لأدوات الروائي وتقنياته بين الحاضر والماضي، وتأويلاتها المرتبطة بمحيط السرد».

تجارب إماراتية

ويضيف المسلم: «إن الرواية الإماراتية في مجال أدب الرعب ما زالت تتلمس الطريق نحو تأسيس تكوين شامل من مجموعة من الأدباء المتخصصين، فالرصيد المنجز منها على براعته التقنية بين الحكاية والمزج الشعبية هو قليل مقارنة بغيرها من صنوف الروايات الأدبية الإماراتية ومجالاتها السردية.

وهنا نستحضر تجربة الكاتب والمسرحي الراحل سالم الحتاوي، الذي لم يمهله القدر كثيراً، لمواصلة مشروعة الإبداعي حول القصص الخرافية الشعبية، والتي كان ينشرها تباعاً في مجلة المسرح، إلى جانب تأليفه العديد من المسرحيات الملهمة، التي تدور في فلك الخرافة.

وأذكر منها مسرحية «الياثوم»، التي تنتمي إلى عوالم «الميثولوجيا»، أو الخراريف باللهجة المحلية و«الجاثوم»، التي تعني الكوابيس، أو شلل النوم وهي الحالة، التي تحدث أثناء الغفوة، ويكون فيها الشخص واعياً، لكن غير قادر على التحرك أو الكلام، وقد يصاب الفرد بالهلوسة، وهو يعني كذلك أن يشعر الإنسان بأن هناك روحاً غريبة تتلبسه».

جذور عربية

ويضيف المسلم: «الحكاية الخرافية في هيئتها العامة تدخل ضمن أقسام الأدب الشعبي، والتي تبين أنها ذكرت في الأدب العربي، من خلال كتاب «المستطرف من كل فن مستظرف»، لمحمد بن أحمد الخطيب الأبشيهي، أما في صفتها الخاصة ومضمونها فتأتي ضمن المعتقدات الشعبية وصيانة التقاليد.

فلكل انحراف خلقي أو انحلال اجتماعي كان هناك كائن خرافي مخيف، مهمته ردع من جرؤ على تجاوز تلك الحدود، في إطار الحكايات الخرافية أو خارجها، وإن كانت قديماً تروى مشافهة، ولا تفسر، كانت جميع عوالمها محجوبة معزولة عن التداول والمناقشة، في مجتمع مثل مجتمع الإمارات، الذي كان يعيش في عزلة شخصية بحتة، وانفتاح اقتصادي كبير.

فعلى الرغم من بساطة الحياة القديمة وبساطة الناس وطيبتهم النادرة، إلا أنهم كانوا كثيري الحيطة والحذر من الاتصال بالآخر، لذا تعددت الرموز والإشارات لدى الإماراتيين، واختلفت مدلولاتها في حياتهم وأدبهم الشعبي، وبرزت بشكل ملحوظ في تفكيرهم الظاهر والباطن».

ذائقة التشويق

وفي ما يتعلق بميل قارئ اليوم إلى الإثارة والتشويق المرتبطة بالأساطير والشخصيات الخيالية الإماراتية الشعبية تؤكد الكاتبة والروائية نورة عبد الله الطنيجي أن حكايات الرعب تمتلك مذاقاً خاصاً لدى القارئ، خصوصاً أن قراءة الرعب تجعل مخيلة المتلقي في عالم آخر، يبتعد عن الواقع الممل والرتيب، أي أنه يصل إلى مرحلة الأفق العارمة أو عالم الخيال، الذي يوّسع من إدراك المتلقي خصوصاً لدى القراء الشباب.

فإن شباب اليوم وهو الجيل الواعد يهوى القراءة، التي يتخللها شعور المتعة والتسلية، وقد تصقل عقلية الشاب، ليصبح أكثر طموحاً للإبداع، من خلال شعوره بمتعة القراءة، وإن كان يدرك هذا القارئ أن ما يقرأه مجرد خيال أو حقيقة، قد تكون غامضة لا صحة لها من الأساس كقصص الخراريف القديمة.

وحول تجربتها السردية، التي تتطرق إلى منطقة غير مرئية بين الروح والجسد في روايتها «حضارة لوكاس»، تقول نورة: «صنفت روايتي على أنها رعب إلى العالم الخارق، وهو عالم الأرواح في شخصية لوكاس من يجسد شخصية «الروح القتيلة»، وكيف لهذه الروح أن تتعامل مع البشر خصوصاً في سماء أدبي، يملأه التشويق والإثارة بين صفحات الرواية».

تجارب محلية

من جهته يقول المنتج علي المرزوقي: «إن التجارب الإماراتية السينمائية والتلفزيونية القائمة على روايات أدبية بلا شك من التجارب الأكثر إلهاماً في صناعة المحتوى الفني في دولة الإمارات كونها ترتبط بجذور الثقافة الشعبية.

وكذلك لها صفتها المعاصرة، ونحن نفتقر اليوم لوجود أيضاً كتاب سيناريو متخصصين في هذا المجال يمتلكون الأدوات والمهارات العالية في تبني إحدى تلك الروايات المطروحة على الساحة الأدبية، وترشيحها للمخرجين والمنتجين، كونها بذرة أولى لعمل سينمائي وتلفزيوني ملحمي، يوثق رؤى محلية شعبية».

ويوضح المرزوقي: «توليت إنتاج فيلم الرعب والتشويق المحمل بلمسة كوميدية «مزرعة يدو»، الجزء الأول والثاني للمخرج الاماراتي أحمد زين وسيناريو الكاتب إبراهيم المرزوقي، الذي تدور قصة الفيلم حول خمسة شباب يقررون تمضية عطلة نهاية الأسبوع في مزرعة جد أحدهم، التي تقع وسط الصحراء محاطة بالبساتين.

والأجواء الجميلة، لكن سرعان ما تنقلب الإجازة إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمزعجة، بعد أن يجد الأصدقاء أنفسهم في صدام مع «الجن» حتى حلول الفجر، وفوجئنا بنجاح الفيلم، الذي لمسناه جماهيرياً وتفاعلاً لدى صناع السينما الإماراتيين، وازداد الحافز بعد نجاح الفيلم سواء في دور السينما أو عبر منصات المشاهدة».