جميل حداد شاعر سوري يتوارى عن وسائل الإعلام ولا ينشر قصائده، بل يجمعها ويطبعها في دواوين تزخر بالشعر الجميل في مختلف الأغراض، بدأ كتابة الشعر في السبعين من عمره، أي بدأ متأخراً ولا يزال جزيل العطاء وبحيوية وتدفق حتى أورقت قريحته ستة دواوين هي (صدى الحنين ـ مزن الخريف ـ سنابل العمر ـ حصاد السنين ـ البيادر ـ ينابيع العطاء) وديوانه السابع تحت الطبع.
ورغم تنوّع هذه القصائد فإنّ القاسم المشترك فيها هو الشّام والإمارات.. فمنذ استقرّ في الإمارات أحبّها وتعلّق قلبه بها؛ فكان لا يعود من سفرٍ إلّا وفي جيبه ورقة ٌسطّر فيها شوقه لها وهو متّجه إليها. يقول عن دبيّ في قصيدةٍ له من ديوانه «مزن الخريف»:
«دبيُّ حبّك في قلبي وفي كبدي
أعزّك الله بالإسلام للأبدٍ
أعزّك الله ركناً في عروبتنا
أعزَّها فيكِ في أمسي ويومِ غدِ»
ولأنّه عاش سنوات عديدة، ولا يزال، في الإمارات بلد زايد الخير رحمه الله فقد تركت في نفسه أسمى مشاعر الحبّ.. إنه يراها البلد العربيّ الّذي ينهض متسارعاً ليلحق بركب التّقدّم العالميّ، وتتجلّى له كلَّ يوم بأبهى الحلل وأجمل الصّور.. تتحدّى المستحيل، وترتكز على القيم العليا التي عبّرت عن أصالتها وتمسّكها بتراثها الغنيّ الحاضر في نفوس أبنائها. يقول في قصيدة (حيِّ الإمارات) من ذات الدّيوان:
«حيِّ الإمارات ِ مهد َ الحبِّ والأدبِ
وأهلَها الصِّيد أهلَ العزّ والحسبِ
عرفتُ فيها كرام النّاسِ مذ وجدت
عرفتُ فيها التّقى في دوحة الشّهبِ
عرفتها والصِّبا قد كان لي سنداً
وشِختُ فيها ولا أشكو من العطبِ»
ولكنّ نأيه عن مرابع صباه كان كثيراً ما يثير شجونه، فيضجّ حنينه الموجع لوطنه سورية الّتي طالما تغنّى بمرابعها وجمالها وذكرياته فيها... ففي قصيدته (شآم لا تقلقي) من ديوانه «صدى الحنين» يخاطب الشّام الّتي أًصيبت بشتّى المحن فيقول:
«شآمُ لا تقلقي فالبعدُ قد أسَرا
متاعبُ البعدِ قد هانت لمن صبرا
شممتُ ريحكِ عن بُعدٍ فلا تذري
روائحَ الحبِّ تخبو كلَّما عبرا
ثم يقول:
فالشامُ حاضنتي والحضنُ دافئهُ
يعطي المناعةَ للمحزونِ مقتدرا
وعطرها ياسمينٌ جادَ رائحةً
وطابَ فيها الهوى إن قلَّ أو كثرا..»
إلا أنّ حنينهُ لوطنه الأمّ لم يُنقِصْ من محبّته للإمارات ولا من حنينهِ لدبيّ الّتي كلّما غادرها تملّكه الشّوق إليها، وكثيراً ما يعبّر في شعره عن ذلك كلّه.. يقول في قصيدة (العودة إلى دبيّ) من ديوانه «صدى الحنين»:
«دبيُّ بُعدُك ما أخفى لواعجَهُ
لواعجُ الحبِّ كانت توقد الألما
أكرمتُ فيكِ وفاءً ما أتى عبثاً
ففيك طاب الوفا دوماً وما ندما..»
ونجده مرّةً أخرى يعود إلى الشّام ومرابعها الزّاهية، ويتذكّر (بلودان) أجمل مصايفها ليكتب فيها ما يثري مغانيها، ففي قصيدته (بلودان) يقول:
«إن ساقك الحظُّ فاهنأ بالّذي وهَبا
ففي بلودانَ تنسى الهمَّ والكُرَبا
مدينةٌ تعتلي سهلاً تجودُ بهِ
كلُّ الفواكه ِتغري مَنْ لها طلبا
إن رمتَ تفّاحها فانعم بوجنتهِ
تفّاحُ جنتهِ من أرضها وُهِبا..»
ولا يكاد ديوان من دواوينه السّتّة يخلو من قصائده في الإمارات.. وشيوخها.. ومدنها، ولا من الشام ومرابعها.. ولعلّه في قصيدة (التّوءمان دمشق ودبيّ) ضفر هذه المحبّة والعلائق المشتركة ضفراً محكماً، ولقد زيّنت هذه القصيدة ديوانه «البيادر».
واللّافت أنّ كلّ دواوينه قد تمازج فيها الوطنيّ بالعاطفيّ، وتنوّعت مواضيعها بين الخاصّ والعام، فلم يترك الشّاعر مناسبة إلّا وعبّر عنها شعراً، ولا قريباً أو صديقاَ إلّا وأهداه قصيدةً تفوح بعطر الوفاء حتّى أطلقتُ عليه لقب (شاعر الوفاء). وإذا كنتم لا تعرفونه لأنّه لا يحبّ الأضواء، فاسمحوا لي أن ألقي عليه الضّوء هنا إكراماً له وللشِّعر وللإمارات والشّام، وأختم بأبيات له من قصيدة “التوءمان دمشق ودبي«:
»كلّما زادَ بعدُها زاد وجدي
فارفعي الصّوت َ يا دبيُّ وردّي
أنتِ والشامُ توءمانِ لروحي
نعمَ ما كنتما وِسادي وزندي.."
