ينشغل العالم حالياً بالتقنية الجديدة في عوالم الذكاء الاصطناعي، «تشات جي بي تي»، التي لديها إمكانية خارقة وكبيرة في المجالات كافة، إذ يدفع بها مبتكروها ومستخدموها، كي تحل مكان الشاعر والأديب والكاتب، عبر تطويرها وتحسين ميزاتها، فعلى سبيل المثال، يمكن إعطاء هذا التطبيق مواصفات وطبيعة الموضوع المراد الكتابة عنه، فيكتب قصيدة في ثوانٍ معدودة.

وقد كتب العديد من الكتاب في الصحف حول هذه التقنية التي بدأت تتسلل إلى الأدب والثقافة، ويروّج كثيراً لمقولة أنها «ستحل محل الكاتب والشاعر قريباً». «البيان» رصدت آراء مجموعة كتاب في السياق، للوقوف على شتى جوانب القضية.

يرى الكاتب ضرار بالهول الفلاسي عضو المجلس الوطني الاتحادي، المدير التنفيذي لمؤسسة وطني الإمارات، أن «تشات جي بي تي»، قادر على الكتابة والقيام بمهام محددة في يومياتنا، لذلك لا خطر يأتي منه إذا تم استخدامه بالشكل الصحيح والمطلوب، وأعتقد جازماً أنه من المحال أن يؤثر على الكتّاب المبدعين المتمكنين.

خدمة ودعم

وقال ضرار بالهول الفلاسي: «أنا شخصياً أستخدم تلك التقنية وأوظفها إلى أقصى حد في عملي اليومي وما أحتاجه للكتابة من أرقام وبيانات.

وذلك على الرغم من قدرتي على القيام بالكتابة، لكن في الوقت نفسه، يمكن الكشف بسهولة عن الكتابات «الجاهزة» وهذا فعلياً أمر ومبرر إضافي يطمئن الكتاب والمثقفين، إلا أنه لا يمكن لهذه التقنية الجديدة أن تكون مصدر قلق وخوف».

وأردف: «إن الإنسان يتخوّف، بطبيعته، من كل شيء جديد، لكن من الأفضل أن نفكر كيف نوظف الجديد لخدمتنا وإلا فإن غيرنا سيغتنم الفرصة ويوظف «تشات جي بي تي» ويتفوق علينا.

ولكن لا يجدر أن يعتمد عليه كلياً، ومن يفعل ذلك ليس بكاتب. وأنا حالياً أستخدم «تشات جي بي تي» للطبعة الثانية من روايتي «أم الدويس»، فالرواية وأحداثها وكل ما فيها من خيالي بالكامل كتبته بنفسي، لكني احتجت إلى «تشات جي بي تي» ليقوم برسم تلك الشخصية الخيالية ويفصلها لي ليعطي قوة لها من خلال الرسومات التي سيقدمها».

ركائز وفروقات

من جهته، أكد الأديب علي أبو الريش، أنه لا يمكن أن تشكل تقنية «تشات جي بي تي»، خطراً على الكتابة بكافة أشكالها، لأن الإبداع البشري له إمكانياته وملكاته، وعصي على التقنية أن تصلها. ويتابع: الإبداع البشري يقوم على ركيزتين أساسيتين أولهما الخيال وثانيهما المشاعر.

وفي حالة «تشات جي بي تي» فنحن نتعامل مع جهاز إلكتروني بلا مشاعر.. ولكن مصدر الخوف الحقيقي في الصدد، هو احتمال «التخريب» والتشويش، ذلك كما حدث في فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي.

وتابع: إن مثل هذه التقنيات والوسائل، ممتازة، لكن استخدامها يوظف بوجهة سيئة غالباً، إذ تضر بالإعلام والعلاقات الاجتماعية وبالكثير من الأمور الإبداعية..

وأعتقد أن المغالاة في توظيفها وترويجها وتقديمها، يؤدي إلى خراب في واقعنا الفكري والاجتماعي. نحن بشر، ومنذ البدء اعتمد الإنسان على خياله ولولا الخيال لما استطاع أن يبني كل المنجزات الحضارية على مر العصور.

والآن نحن نقول يمكن أن نكتب رواية وقصيدة عبر هذا التطبيق، ولكن هذا عبث بالوجدان البشري والعقلية والحضارات. فلا يمكن في يوم من الأيام أن أحصل على نجيب محفوظ، مثلاً، عن طريق الإنترنت وعوالمه أو عبر تقنية «تشات جي بي تي».

واستطرد: «المؤسف أننا بتنا في هذا العصر لا نأخذ من التكنولوجيا إلا ما هو سيئ، ويمكن إساءة استخدام التشات جي بي تي، فهذا وارد، ذلك كما تمت إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في مطارح وحالات غالبة.

ودعا الكاتب أبو الريش وسائل الإعلام أن تتصدى لأي عبثية في استخدام التشات جي بي تي وتوظيفه، مناشداً الإعلام ضرورة إيضاح حقيقة ما يحدث من خلل للجميع.

تمايز وحقائق

بدوره، قال الشاعر الإماراتي خالد البدور: لا يمكن لـ«تشات جي بي تي»، أن يكتب قصيدة عميقة أو مقنعة.

سنبقى نحتاج إلى الكاتب الذي يبث روحه وتجربته الخاصة، سواء في الشعر أو في الأدب بشكل عام. هذا النفس الخاص والذي يحدث فارقاً بين شاعر وآخر هو الذي يميز الشعر والشاعر عن سواهما

فمثلا نحن نحب أحمد شوقي ثم نحب محمود درويش وبدر شاكر السياب.. نحب اختلاف التجارب بينهم والتي ينهل فيها الإبداع من زخم روحية إبداع كل منهم، أما الكمبيوتر فينتج شعراً يخلو من روح الشاعر.

وسيؤثر «تشات جي بي تي»، حسب الكاتب والناشر جمال الشحي كثيراً على العمل في حقل الإبداع والنشر، معتبراً إياه أكبر تحدٍ في تاريخ النشر تواجهه البشرية، ووصف هذا التهديد بكونه «تهديداً وجودياً، وليس بتهديد عادي».

وأضاف: «ها نحن ما زلنا في البداية مع تجارب وعوامل هذه التقنية، ولكن علينا التحضر لكل احتمالاتها وإفرازاتها.

أنا سألته بعض الأسئلة البسيطة وتفاجأت بالنتائج، ولا شك أنه سيدخل في صلب النشر وصلب الكتابة. وفي الحقيقة لن تكون لدينا القدرة ولا الموارد ولا التجارب لأن نعرف الفرق بين الكاتب الحقيقي وبين نتاج الـ«تشات جي بي تي».

وهذه الفوضى ستستمر إلى فترة طويلة حتى يتم تطوير ذكاء اصطناعي آخر قادر على مجابهته». وتشير الكاتبة ميثاء الخياط، إلى أن الإبداع، بصورة عامة، لا يمكن أن يتم تقليده أو مجاراته من قبل الـ«تشات جي بي تي» مهما حاول هذا التطبيق أو سواه، فالتكنولوجيا وتطبيقاتها لن تكون كالتجربة الإنسانية، سواء في الفن أو التجربة الإبداعية الكتابية.