دأب المؤرخون والآثاريون والمتخصصون في التراث، ومن دار في فَلَكهم، على عقد مؤتمرات وندوات علمية بين الفينة والأخرى، يتحاورون ويتناقشون ويبثون همومهم وشكواهم إلى بعضهم البعض، ثم يخرجون بتوصيات تلو التوصيات هي خلاصة ما توصلوا إليه من نتائج واستنباطات يرفعونها للمسؤولين، ثم ينفضّ السامر، ويعود كل واحد من المشاركين للانغماس في الحياة اليومية.

ولا يبقى أحد يتابع تلك التوصيات وما تم تنفيذه منها، أو ما تم قبوله منها أو رفضه أو التوقف عنده أو مناقشته. ومثل هذه اللقاءات تحصل دائماً وبشكلٍ دوري على الصعيد الخليجي والعربي أو حتى ضمن الإطار الدولي.
وخلال تلك اللقاءات يقدم أصحاب الاختصاص أوراقهم ورؤاهم أمام الحضور فيحاورونه ويجادلونه في جو علمي لا يخلو من نقد وانتقاد وتوجيه ونصح وإضافة وتصحيح.
مؤتمر نجران
أكتب ذلك بعدما حضرت ملتقى علمياً فريداً في مدينة نجران السعوديّة ذات العمق والأصالة والعراقة بين 7 و9 فبراير.
شاركتْ في إقامته جمعيّة الآثار والتاريخ بنجران، وجمعيّة التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وكون عَقد هذا الملتقى في تلك البلدة التاريخية هو لفتة إلى أهمية نجران عَبر العصور.
وفي ذلك المؤتمر طرحت 27 ورقة من إعداد مجموعة من المؤرخين والمتخصصين في الآثار والتراث.

وبشكل عام تميز المؤتمر بحسن التنظيم والإعداد، حيث أشرف عليه عدد من المسؤولين والأساتذة الذين بذلوا جهوداً كبيراً لإخراجه على وجه لائق.
وبغضّ النّظر عن القيمة العلمية الكبيرة في البحوث المقدمة إلا أن أبرز إنجازات الحدث تمثل في لقاء مؤرخي وعلماء الآثار والتراث في الخليج، فكانت اللقاءات مثمرة، وخرجت بمشاريع بحثية مشتركة سوف ترى النور عن قريب بإذن الله تعالى.
إنجازات ونتائج
نجح ملتقى نجران في تعريف المشاركين بمنطقة هامة في المملكة العربية السعودية، ربما لم يكن الضوء مسلطاً عليها بما يكفي.
كما نجح الملتقى في جلساته المتنوعة التي تناولت: تاريخ نجران منذ ما العصور القديمة إلى الحقبة الحديثة والمعاصرة، تعرّف خلالها المشاركون على أهمية نجران التاريخية والجغرافية والأثرية والاقتصادية عَبر العصور.
وكانت كل جلسة من الجلسات متجددة ومتنوعة في معلوماتها وقيمة غنية بالمادة العلمية عن نجران، وحضر أمير المنطقة افتتاح الملتقى وألقى كلمة فيه.
كما تميزت أوراق الحدث بالعلمية والرصانة والشمولية، وتواصلت النقاشات العلمية الجدلية الإثرائية على هامش اللقاء وفي مواقع الزيارات وفي بهو الفندق وفي الحافلة أثناء التنقّل.
وإلى جانب المشاركة في نقاشات الحدث، أتيح لنا زيارة موقع الأخدود الأثري والتاريخي.

كما تضمن البرنامج عروضاً من الفنون الشعبية النجرانية الرائعة التي أمتعتْنا كثيراً، وقد اطّلعنا من خلالها على نموذج من الفنون النجرانية. بالإضافة إلى الحِرف اليدوية التي تشتهر بها نجران.
جمعية التاريخ والآثار
نودّ أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تأسست عام 1997 تحت منظومة مجلس التعاون وإشراف من دارة الملك عبد العزيز بالرياض.
وهي أول جمعية بالخليج تهتم بتاريخه وآثاره وتراثه وينتمي إليها أكثر من 500 أستاذ من شتى بلدان الخليج العربي بمختلف تخصصاتهم.

وكان من روادها الأوائل ومن مؤسسيها: عبدالمالك التميمي، رحمه الله، ومصطفى عقيل الخطيب، وفاطمة الصايغ، وأحمد الزيلعي، وعلي منصور، وحمد بن صراي، وسعيد هاشم، وعصام الرواس.
وتعقد ملتقياتها في كل عام في دولة خليجية، ويضم مجلس إدارتها ستة يمثل كل واحد منهم دولة خليجية بالإضافة إلى أمين عام الجمعية.
ومنذ إنشائها عقدت الجمعية 21 لقاءً كان منها ثلاثة في دولة الإمارات. وكان لي شرف الانضمام لمجلس الإدارة لمدة 13 عاماً، ترأست خلالها الجمعية لمدة عامين.
ومن هنا علينا دعم نشاطات هذه الجمعية الخليجية الأنشط على مستوى بلدان الخليج العربية، وعلى وزارات الثقافة والتراث والمعاهد الأكاديمية والإدارات المختصة تبني ملتقياتها العلمية، والإشراف عليها، وطباعة كتِب مداولاتها خلال تلك الملتقيات.
منتديات وندوات

في عموم دول الخليج العربية تعقد العديد من الملتقيات الخاصة بالتاريخ والآثار والتراث بما فيها من أيام ومهرجانات واحتفالات أقامتها وزارات الثقافة والتراث والأندية وهيئات الأراشيف والمعاهد الوطنية وإدارات الثقافة والسياحة والهيئات ذات الصلة.
وضمن برامج تلك اللقاءات زيارات مصاحبة للبرنامج الرئيس إلى مواقع الآثار والمباني التراثية والتاريخية والمتاحف والأسواق الشعبية.
فتحدِث تلك الزيارات حركة ونشاطاً وإقبالاً من الجمهور وتداخلاً من قِبلهم.
وقد لمست ذلك بنفسي في مؤتمر نجران حينما كنا نتجول في الأسواق الشعبية، وعَلم الباعة بأننا من الإمارات والبحرين وقطر والكويت فكم كانت سعادتهم بهذه الزيارة مما دفع كثير منهم إلى إهدائنا ما اشتريناه، ولم ندفع لهم أي مبلغ مالي تحت إصرارهم الشديد. بل وأخذوا يسألون: ما الذي جاء بكم؟ فنخبرهم عن المؤتمر فيفرحون كثيراً، ويُسَرّوا بذلك.
زيارات

وبلا شك فإن مثل هذه الزيارات والاختلاط بالأهالي في الأسواق والأماكن التراثية يكسب الملتقى قيمة شعبية. وهذا ما أدعوه المؤتمر العلمي الشعبي الذي يحقق ذلك التواصل بين أهالي البلد وبين العلماء الزائرين. وفي الوقت نفسه يوصل إليهم رسالة شخصية من كل بلد خليجي. ويجب أن نضع في الاعتبار أيضاً تضمين البرنامج جانباً من الفنون الشعبية حتى تقدم للحضور في قالب تشويقي رائع.
