جبران خليل جبران من أشهر أدباء المهجر، ولد عام 1883 في بلدة بشرّي شمال لبنان حين كانت تابعة لمتصرفية جبل لبنان العثمانية.
أصيب بتليف الكبد ومرض السل وما شعر، كما مات إخوته بهذا المرض اللعين، ولم يعش أكثر من ثمانية وأربعين عاماً.
ولأن قبر هذا الأديب الشهير في نيويورك فإننا سنلجأ إلى وسائل الاتصالات الحديثة ونجلس معه من خلال الصوت والصورة ونجري معه حواراً نسأل فيه الأسئلة التي طالما وقفنا حيالها حائرين.
قلت: تحية لك
قال: لك ألف تحية وسلام
قلت: أنت ابن خليل سعد جبران أليس كذلك؟
قال: بلى.
قلت: هل كان محبّاً للأدب؟
قال: (ضاحكاً) مع أنه لا يليق للابن أن يتكلم بالسوء على أبيه إلا أن الحقيقة تفرض نفسها، أبي كان راعياً للماشية.
قلت: وهل هذا عيب في نظرك؟
قال: بالعكس..قلت: ولكن ماذا؟
قال: كان يشرب.. وكان يقامر.. لا يجد الوقت ليجلس معنا.. فليرحمه الله ويغفر له..
قلت: ووالدتك؟
قال: والدتي كاملة رحمة كانت من عائلة كبيرة استطاعت أن تعتني بي وأن تعطيني الحب والحنان الذي احتجت إليه في طفولتي.
قلت: هل تركت أثراً فيك يا جبران؟
قال: تركت بصمات واضحة في شخصيتي وأدبي.
قلت: هل ذكرتها في أحد كتبك؟
قال: نعم.. في كتابي الأجنحة المتكسرة.
قلت: هل تذكر شيئاً مما كتبته فيها؟
قال: قلت:
إنّ أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة الأم وأجمل مناداة هي: يا أمي.. كلمة صغيرة كبيرة مليئة بالأمل والحب.. الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن والرجاء في اليأس والقوة في الضعف، هي ينبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران، فالذي يفقد أمه يفقد صدراً يسند إليه رأسه ويداً تباركه وعيناً تحرسه.
قلت: كانت أمك إذن تعوضك إهمال الأب.
قال: لولاها لضعت.
قلت: هل كانت طفولتك سعيدة؟
قال: بل كانت مأساوية، فالشجار لم يكن يتوقف بين أمي وأبي.
قلت: وأنت.. ماذا كان موقفك؟
قال: لجأت إلى اللامبالاة.. فلم أكن أهتم بشيء، وزاد طفولتي شقاء سقوطي من صخرة مرتفعة في وادي قاديشا ترك التواء في كتفي عشت معه طيلة عمري وكنت في العاشرة من العمر.
قلت: هل كان هناك تعليم في بلدتكم بشرّي؟
قال: كانت الكنيسة هي التي تقوم بتعليم الصغار وقد تتلمذت عل يد الأب جرمانوس والأب سمعان حيث درست معهما اللغة العربية قراءة وكتابة، ثم بعد ذلك درست في مدرسة بشرّي الابتدائية.
قلت: ومتى هاجرت إلى الولايات المتحدة؟ ولماذا كانت هذه الهجرة؟
قال: في عام 1891 جاء الجنود العثمانيون وألقوا القبض على والدي وأودعوه السجن وجردونا من كل ما نملك بما في ذلك الماشية والبيت وأمام هذه الكارثة قررت أمي أن تهاجر مع أولادها إلى الولايات المتحدة، ونفذت قرارها، ورحلنا إلى بوسطن عام 1895.
قلت: أي في الثانية عشرة من عمرك؟
قال: صحيح.. ولك أن تتخيل مشكلتي مع اللغة الإنجليزية التي لم أكن أعرف منها شيئاً.
قلت: وماذا فعلت؟
قال: دخلت إلى مدرسة كويزي في بوسطن في 30 سبتمبر 1895، حيث وضعت في صف خاص لتعلم اللغة الإنجليزية.
قلت: وما حكايتك مع فن الرسم؟
قال: في العام نفسه الذي دخلت فيه المدرسة أخذت أرتاد مدرسة للفنون قريبة من المنزل الذي سكنا فيه.
قلت: ولماذا فعلت ذلك؟
قال: كنت شغوفاً بالرسم منذ طفولتي
قلت: وهل وفقت في تلك المدرسة؟
قال: لما لاحظ أساتذتي موهبتي في الرسم قدموني للناشر والمصور الفوتوغرافي (فريد هولاند داي) الذي اكتشف قدراتي العالية في الرسم وسماني (النابغة بالفطرة).
قلت: ولكن اللغة العربية التي أبدعت فيها أين تعلمتها يا صديقي جبران خليل جبران؟
قال: عندما لاحظت أمي أنني بدأت أنجذب إلى اللغة الإنجليزية وإلى الثقافة الغربية قامت هي وأخي الكبير باتخاذ قرار غريب.
قلت: وما هو؟
قال: إرجاعي إلى لبنان.
قلت: لماذا؟
قال: لتعلم تراثي العربي.. كانت العروبة تجري في عروق العائلة كالدماء.
قلت: وعدت؟
قال: نعم عدت.. بقرار من أمي وأخي الكبير عدت إلى بيروت لألتحق بمدرسة الحكمة لأدرس اللغة العربية وأتقنها وأتعرف على تراثنا الشعري والأدبي.
قلت: كم استمرت هذه المرحلة؟
قال: من 1898 حتى 1902، حيث عدت إلى بوسطن.
قلت: لماذا عدت إلى بوسطن ولم تكمل تعليمك في مدرسة الحكمة؟
قال: عدت بعد أن جاءني خبر وفاة أختي سلطانة بمرض السل، الذي مات به أخي أيضاً بعدها بسنة.
قلت: مآسٍ متواصلة.
قال: ولكن المأساة الأكبر هو موت أمي بالسرطان
قلت: لعل هذه المآسي هي التي وجهت أدبك وشعرك.
قال: كان عليّ أن أقبل بقضاء الله وقدره وأن أتحمل مسؤولية من تبقى من عائلتي.
قلت: حتى الآن لم نسألك عن حياتك العاطفية، هل أحببت يا جبران؟
قال: حكايا الحب عندي كثيرة ولكن.. الوقت المسموح لنا فيه انتهى.
قلت: إذن لا بد لنا من لقاء آخر.
قال: متى؟
قلت: الأسبوع المقبل.. ولكن قبل إنهاء هذا اللقاء نريد أن نسمع قصيدة من شعرك.
قال: غنّت فيروز قصيدتي أعطني النّاي وغنّي.. فأثرتكم معها.
أعطني النّاي وغنّي
أعطني الناي وغنّ فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
هل تخذتِ الغابَ مثلي منزلاً دونَ القصور
فتتبّعتَ السواقي وتسلّقتَ الصخور
هل تحمّمتَ بعطر وتنشّفتَ بنور
و شرِبتَ الفجر خمراً في كؤوسٍ من أثير
أعطني الناي وغنِّ فالغنا سر الخلود
وأنينُ الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
هل جلستَ العصر مثلي بين جفنات العنب
والعناقيد تدلّت كثريّات الذهب
هل فرشتَ العُشبَ ليلاً وتلحّفتَ الفضاء
زاهداً فيما سيأتي ناسياً ما قد مضى
أعطني الناي وغنّ فـالغنا عدل القلوب
وأنين الناي يبقى بعد أن تفنى الذنوب
أعطني الناي وغنّ وانس داء ودواء
إنما الناس سطورٌ كُتِبت لكن بماء
أعطني الناي وغنّ فالغنا سرّ الخلود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
