إيليا أبو ماضي.. شاعر سكنت قصيدته المحبة 2 ـــ 2

ت + ت - الحجم الطبيعي

في الأسبوع الماضي قدّمنا الشاعر إيليا ضاهر أبو ماضي، وسألناه عن كثيرٍ من الأمور التي كان لدينا فيها عدم الوضوح الكافي.

واستطعنا أن نعرف الكثير عن حياته وشعره، لكن لا نزال بحاجة إلى المزيد من المعلومات التي يحسن أن نستقيها منه شخصياً، وحسب الوعد الذي حظينا به منه، طرقنا باب قبره لنسأله:

- أيها الشاعر الكبير.. ولدت في المحيدثة وتعلمت فيها، لكنك تركت المحيدثة وأنت في الحادية عشرة من عمرك، يعني لم تنهِ حتى المرحلة الابتدائية، فكيف وصلت إلى هذا المستوى من الشعر الفصيح الذي يحتاج إلى دارس متبحر في اللغة العربية؟

قال: هذا صحيح.. سافرت إلى الإسكندرية عام 1900 لأعمل مع عمي الذي كان تاجراً للتبغ، وكنت أبيع السجائر في النهار، أما في الليل فكنت أطالع الكتب وأدرس النحو والصرف، إلى أن أتقنت هذه اللغة الجميلة وعرفت أسرارها.

قلت: علّمت نفسك بنفسك إذاً؟

قال: كثيرون مثلي علّموا أنفسهم ولم يدخلوا المدارس والجامعات.

قلت: شاعرنا الحبيب.. بدأت الشعر بنظم القصيدة العمودية خلال وجودك في مصر، لكن بعد هجرتك إلى الولايات المتحدة سنة 1912، وجدنا شعرك يأخذ نمطاً آخر.

قال: لم أخرج عن الشعر العمودي، لكنني من خلاله تطرقت إلى موضوعات جديدة وحديثة، ومارست الأسلوب الأندلسي في تقطيع القصيدة وتعدد القوافي.

قلت: بعد أربع سنوات قضيتها مع أخيك الأكبر مراد في ولاية أوهايو، انتقلت إلى نيويورك وهجرت التجارة.

قال: انتقلت إلى نيويورك لأترأس تحرير المجلة العربية، لكنني تركتها لأسهم في تحرير مجلة القناة التي كان يصدرها شكري البخاش.

قلت: السنة الحاسمة كانت سنة 1918 عندما عملت في مجلة مرآة الغرب التي يملكها نجيب دياب.

قال: ولماذا سميتها السنة الحاسمة؟

قلت: لأنك تزوجت ابنة صاحب المجلة.

قال: كان زواجاً موفقاً بلا شك.

قلت: استمر عملك معه حتى عام 1928.

قال: بالطبع لم أعمل مع غيره، لكنني أسست مجلة السمير نصف الشهرية، التي قضيت في تحريرها أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أي حتى نهاية حياتي، بعد أن حولتها إلى يومية.

قلت: وما أهمية هذه المجلة التي أعطيتها كل خبرتك وبقية عمرك؟

قال: أسهمت هذه المجلة في خدمة الرابطة القلمية التي شاركت في تأسيسها عام 1920.

قلت: وهل تذكر لنا أسماء بعض أعضاء هذه الرابطة؟

قال: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة ومجموعة أخرى من أدباء المهجر اللبنانيين والسوريين.

قلت: ولكن أعضاء الرابطة قاموا بإنشاء مجلات أخرى غير مجلتك السمير.

قال: نعم.. نسيب عريضة أصدر مجلة الفنون وعبد المسيح حداد أصدر مجلة السائح.

قلت: لماذا تفككت الرابطة القلمية عام 1932؟

قال: كان صديقي جبران خليل جبران هو عميد هذه الرابطة وبوفاته عام 1932 تفككت الرابطة.

قلت: نقرأ في شعرك الحنين إلى الوطن لبنان، ولكنك لم تعد إليه لماذا؟

قال: زرت لبنان عام 1948.

قلت: ولكن هاجرت من لبنان عام 1900.

قال: ظروف الحياة حكمت علي كما حكمت على جميع شعراء المهجر بهذا الغياب الطويل عن الوطن.

قلت: ولكنك حتى في عام 1948 لم تزر وطنك لبنان إلا بدعوة رسمية من الحكومة اللبنانية.

قال: هذا صحيح.. دعيت إلى لبنان لحضور مهرجان الأونسكو مع الصحافي حبيب مسعود صاحب مجلة العصبة في البرازيل.

قلت: كنت موضع تكريم جميع أهل لبنان، وقد منحتك الحكومة اللبنانية وسامين لا وساماً واحداً.

قال: كانت زيارة رائعة وكان تكريماً حافلاً ووضع على صدري وسام الأرز ووسام الاستحقاق.

قلت: كذلك أكرمك السوريون، أليس كذلك؟

قال: نعم.. منحني رئيس الجمهورية السورية هاشم الأتاسي وسام الاستحقاق الممتاز عام 1949.

قلت: بعد ديوانك الأول تذكار الماضي الذي طبع في الإسكندرية عام 1911، ماذا أصدرت من دواوين؟

قال: ديوان إيليا أبو ماضي في نيويورك عام 1918 وهذا الديوان وضع مقدمته صديقي الشاعر جبران خليل جبران.

قلت: وبعد هذا الديوان.

قال: ديوان الجداول وصدر في نيويورك عام 1927.

قلت: تميز هذا الديوان بالمقدمة التي كتبها صديقك الشاعر ميخائيل نعيمة.

قال: بدءاً من هذا الديوان يمكن أن تلاحظ النضج في تناول الموضوعات الجديدة واستخدام الأبحر القصيرة والمجزوءة.

قلت: بعد هذا الديوان لم يصدر لك إلا ديوان واحد هو الخمائل وصدر في نيويورك عام 1940 أما ديوانك الأخير تبر وتراب فقد صدر بعد وفاتك عام 1960.

قال: أراك مليئاً بالمعلومات عن حياتي وشعري.

قلت: أحببت شعرك.

قال: وما هي أهم القصائد التي أعجبتك؟

قلت: كثيرة هي القصائد التي أعجبت بها مثل قصيدة الطين وقصيدة أيّهذا الشاكي وما بك داء والطلاسم والماء وابتسم.

قال: وبماذا تريدني أن أختتم هذا اللقاء؟

قلت: أيهذا الشاكي.

 

«أَيُّهَذا الشاكي»

أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ

كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليـــلاَ

إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ

تَتَوَقّى قَبلَ الرَحيـــلِ الرَحيــلاَ

وَتَرى الشَوكَ في الوُرودِ وَتَعمى

أَن تَرى فَوقَها النَـــدى إِكليــلاَ

هُوَ عِبءٌ عَلى الحَياةِ ثَقيلٌ

مَن يَظُــنُّ الحَيــاةَ عِبئاً ثَقيـــلاَ

وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ

لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلاَ

أَحكَمُ الناسِ في الحَياةِ أُناسٌ

عَلَّلـوهــا فَأَحسَنــــوا التَعليــلاَ

فَتَمَتَّع بِالصُبحِ ما دُمتَ فيهِ

لا تَخَف أَن يَزولَ حَتّى يَـــزولاَ

وَإِذا ما أَظَلَّ رَأسَكَ هَمٌّ

قَصِّرِ البَحثَ فيهِ كَي لا يَطُــــولاَ

أَدرَكَت كُنهَها طُيورُ الرَوابي

فَمِنَ العَـــارِ أَن تَظَلَّ جَهُــــولاَ

ما تَراها وَالحَقلُ مِلكُ سِواها

اتَّخـذَت فيهِ مَسرَحـاً وَمَقيـــلاَ

تَتَغَنّى وَالصَقرُ قَد مَلَكَ الجَوَّ

عَلَيها وَالصّــائِــدُونَ السَّبيــلاَ

تَتَغَنّى وَ قد رَأَت بَعضَها يُؤخَذُ

حَيّاً وَالبَعـضَ يَقضِـي قَتيـــــلاَ

تَتَغَنّى وَعُمرُها بَعضُ عامٍ

أَفَتَبْكِـي وَقَـدْ تَعـيشُ طَــويـــلاَ ؟

فَهيَ فَوقَ الغُصونِ في الفَجرِ تَتلو

سُوَرَ الوَجْـدِ وَالهَـوى تَرتِيــلاَ

وَهيَ طَوراً عَلى الثَرى واقِعاتٌ

تَلقُطُ الحَبَّ أَو تُجَــرُّ الذُيُـــــولاَ

كُلَّما أَمسَكَ الغُصونَ سُكونٌ

صَفَّقَت لِلغُصُــونِ حَتّى تَمِيـــلاَ

فَاِذا ذَهَّبَ الأَصيلُ الرَوابي

وَقَفَت فَوقَهَـا تُنَــاجِـي الأَصِيلاَ

فَاطلُبِ اللَهوَ مِثلَما تَطلُبُ الأَطيارُ

عِنْــدَ الهَجيـــــرِ ظِـــلاًّ ظَليـــلاَ

 

طباعة Email