إيليا أبو ماضي.. شاعر التفاؤل والجمال ( 1 ـــ 2)

ت + ت - الحجم الطبيعي

اليوم أقرع باب قبر الشاعر العربي اللبناني إيليا أبو ماضي في نيويورك وأوقظه من سباته الأزلي في شوق كبير لطرح العديد من الأسئلة، لأضم إلى مخزوناتي التاريخية ما أعتبره ضرورياً لفهم طبيعة تلك المرحلة الزمنية الممتدة من عام 1880 حتى عام 1980.

وشاعرنا من مواليد عام 1889 في قرية المحيدثة اللبنانية في المتن الشمالي بينما توفي في نيويورك عام 1957. بعد أن نهض ونفض عنه غبار القبر، ابتسم قائلاً:

- أهلاً وسهلاً لماذا أيقظتني.. وماذا تريد مني؟

قلت: لدي بعض الأسئلة إن لم يكن لديك مانع.

قال: ولكنك تعرف كل شيء. كتب عني الكثير، وأنت قارئ جيد.

قلت: أريد أن أشرب من رأس النبع لا من الروافد.

قال: تفضل.

قلت: ولدتَ في عائلة فقيرة الحال، مصدر دخلها الوحيد هو تربية دودة القز، ولكن هذا الفقر لم ينعكس على شعرك.. لماذا برأيك؟

قال: الفقر ليس قلة المال.. بل هو فقدان الوطن وأنا ولدت في وطن جميل، قريتي كانت تحتوي على مناظر خلابة، طبيعة ساحرة فعشت طفولتي أمتع عيني بجمال طبيعتها وشمسها المشرقة وقمرها الساطع، وهذا جعلني أبني شخصيتي على مشاعر الجمال والبهجة.

قلت: ولكنك لم تستقر في تلك القرية الجميلة، واتجهت إلى الهجرة.. لم تهجر قريتك فقط بل هجرت وطنك، ألا يعني ذلك أنك لم تكن سعيداً في مسقط رأسك؟

قال: بل إن السعادة التي عشتها في قريتي الصغيرة المحيدثة ظلت تجذبني إلى الوطن، وما قلته عن الحنين إلى الوطن في قصائدي يؤكد أن سعادة الإنسان لا تكون إلا في وطنه.

قلت: ولماذا هجرت إذاً؟

قال: من بداية الدراسة في المحيدثة علمونا قول الشاعر:

تغرّب عن الأوطان في طلب العلى

وسافر ففي الأسفار خمس فوائــد

تفــرّجُ هَـــمٍّ واكتسـاب معيشـــــة

وعلــم وآداب وصحبــة مـــاجــــد

قلت: البلد الأول الذي هاجرت إليه كان مصر.

قال: نعم، وجدت فرصة عمل في مجلة الزهور، وهناك نشرت ديواني الأول.

قلت: متى كان ذلك؟

قال: عام 1902.

قلت: ولكنك لم تذهب للعمل في تلك المجلة.

قال: الحقيقة أنني ذهبت إلى مصر لأعمل مع عمي الذي كان يمتهن تجارة التبغ، وفي مصر التقيت بأنطون الجميل الذي كان قد أنشأ مع أمين تقي الدين مجلة الزهور.

قلت: وكنت في ذلك الوقت قد برزت كشاعر.

قال: ونشرت أولى قصائدي في مجلة الزهور.

قلت: أول ديوان لك ما هو؟

قال: أول ديوان جمعت فيه قصائدي التي نشرتها في مجلة الزهور والقصائد التي لم أنشرها وأطلقت على الديوان اسم تذكار الماضي.

قلت: في أي عام صدر؟

قال: عام 1911 عن المطبعة المصرية.

قلت: كان عمرك في ذلك الوقت لا يزيد على اثنين وعشرين عاماً.

قال: هذا صحيح.

قلت: ولكنك لم تستمر في مصر، لماذا؟

قال: الشعر.. بسبب الشعر.. قصائدي الوطنية لم تعجب سلطات الأمن، فبدأت المضايقات والملاحقات وهذا ما دفعني إلى الهجرة لأمريكا.

قلت: ومن لك هناك؟

قال: كان أخي البكر قد سبقني إلى ولاية أوهايو ليعمل في التجارة، فسافرت إلى سينسيناتي لأعمل معه وفيها أقمت أربع سنوات.

قلت: كيف جمعت بين المتناقضين، التجارة والشعر.

قال: الشعر يا صديقي لا يفتح بيتاً ولا يؤمن دخلاً ومع ذلك رحلت إلى نيويورك لأشارك في تأسيس الرابطة القلمية في الولايات المتحدة الأمريكية مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة.

قلت: هل تعرف أنك ولدت في العام الذي ولد فيه ميخائيل نعيمة 1889؟

قال: أعرف.. ولكنه عاش حتى عام 1988 أي أكثر من ثلاثين سنة بعد وفاتي.

قلت: في عام 1929، أصدرت مجلة السمير، وهذه المجلة تعد مصدراً أساسياً من مصادر الأدب المهجري.

قال: أصدرت هذه المجلة لتكون منبراً لي ولشعراء وأدباء المهجر الشمالي، واستمرت هذه المجلة حتى يوم وفاتي، فتوقفت بموتي ولكنها لا تزال المرجع الأول والرئيسي لأدب المهجر.

قلت: تفرغت للأدب والشعر منذ عام 1916 فهل كنت سعيداً بهذا التفرغ؟

قال: هذا ما خلقت لأجله، الأدب والشعر هويتي حياتي كل شيء في وجودي.

قلت: عرفنا عنك انتهاجك لفلسفة التفاؤل وحب الحياة.

قال: نعم.. عشت متفائلاً وأدعو إلى التفاؤل

قلت: وهل تسمعنا شيئاً من شعرك عن التفاؤل

قال: كل شعري يتجه إلى التفاؤل ولكن أسمعك قصيدة ابتسم.

قلت: هذه القصيدة هي أول قصيدة حفظتها في حياتي وأحب أن أسمعها منك.

قال:

قالَ السَمــــاءُ كَئيبَةٌ وَتَجَهَّمـــا

قُلتُ ابْتَسِمْ يَكْفِي التَجَهُّـــمُ في السَّمَــا

قالَ الصِّبَـــا وَلّى فَقُلتُ لَهُ اِبتَسِـم

لَن يُرجِعَ الأَسَفُ الصِّبَــا المُتَصَـرِّمَــا

قالَ الَّتي كانَت سَمائِيَ في الهَوَى

صَــارَتْ لِنَفْسِـيَ في الغَـــرامِ جَهَنَّمَــا

خانَتْ عُهُــودِي بَعْـدَمَــا مَلَّكْتُهَــا

قَلبِـي فَكَيْـفَ أُطِيـقُ أَنْ أَتَبَسَّمَــــــــــا

قُلتُ ابْتَسِمْ وَاطْرَبْ فَلَوْ قَارَنْتَهَــا

قَضَّيْتَ عُمْـــــرَكَ كُلَّــــهُ مُتَــــأَلِّمَـــــا

قالَ التِّجَــارَةُ في صِرَاعٍ هَــائِــلٍ

مِثـلُ المُسَـافِــرِ كَـــادَ يَقْتُلَــهُ الظَمَـــا

أَو غــادَة مَسلُــولَـة مُحتَــاجَــة

لِــــدَمٍ وَتَنفُـثُ كُلَّمَـــا لَهَثَـتْ دَمَـــــــا

قُلتُ ابْتَسِمْ مَا أَنْتَ جَالِبَ دائِهَـا

وَشِفَـــائِهَـــا فَإِذا ابْتَسَمْتَ فَـرُبَّمَــــا

أَيَكونُ غَيرُكَ مُجْرِماً وَتَبِيتُ في

وَجَلٍ كَأَنَّكَ أَنْتَ صِــرْتَ المُجْــرِمَـــا

قالَ العِـدَا حَوْلِي عَلَتْ صَيْحَاتُهُمْ

أَ أُسَـرُّ وَالأَعْـدَاءُ حَـوْلِيَ فِي الحِمَى؟

قُلتُ: ابْتَسِــمْ لَم يَطلُبُوكَ بِذَمِّهِـمْ

لَوْ لَمْ تَكُــنْ مِنهُـــمْ أَجَـلَّ وَأَعْظْمَـــا

قالَ البَشَـاشَة لَيْسَ تُسْعِــدُ كَائِنـاً

يَـأْتِـي إِلَى الدُّنْيَــا وَيَـذْهَبُ مُرْغَمَــا

قُلتُ ابْتَسِـمْ مَا دَامَ بَيْنَكَ وَالرَّدَى

شِبْــــرٌ فَـإِنَّـكَ بَـعْـــــدُ لَنْ تَتَبَسَّمَـــا

قلت: قصيدة رائعة.. ولكن هل عشت حياتك مبتسماً بمعنى أكنت تعيش ما تقول؟ أم تقول ما كنت تتمنى أن تعيش فيه؟

قال: الشاعر يا صديقي لا يبدع إلا إذا كان يعيش ما يقوله.

قلت: ما زال في جعبتي أسئلة كثيرة.

قال: ابتسم.. فقد سألتني أيضاً أسئلة كثيرة.

قلت: لا بد من لقاء آخر.

قال: ابتسم.. يكن لك لقاء آخر.

ابتسمت على وقع وعده، وسيكون لنا لقاء آخر.. مع هذا الشاعر المتفائل الكبير إيليا أبو ماضي.

كم تشتكي

كم تشتكي وتقولُ إنّك مُعدِمُ

والأرضُ مِلكُك والسما والأنجُمُ

ولك الحُقولُ وزهرُها وأريجُها

وَنسيمُها والبُلبُلُ المُترنِّمُ

والماءُ حوْلك فضّة رقراقة

والشمسُ فوْقك عسجدٌ يتضرّمُ

والنور يبني في السّفوح وفي الذّرى

دورا مزخرفة وحينا يهدم

فكأنّه الفنّان يعرض عابثا

آياته قدّام من يتعلّم

وكأنّه لصفائه وسنائه

بحر تعوم به الطّيور الحوّم

هشّت لك الدّنيا فما لك واجما؟

وتبسّمت فعلام لا تتبسّم

إن كنت مكتئبا لعزّ قد مضى

هيهات يرجعه إليك تندّم

أو كنت تشفق من حلول مصيبة

هيهات يمنع أن تحلّ تجهّم

أو كنت جاوزت الشّباب فلا تقل

شاخ الزّمان فإنّه لا يهرم

أنظر فما زالت تطلّ من الثّرى

صور تكاد لحسنها تتكلّم

ما بين أشجار كأنّ غصونها

أيد تصفّق تارة وتسلّم

وعيون ماء دافقات في الثّرى

تشفي السقيم كأنّما هي زمزم

ومسارِحٍ فتن النسيمُ جمالُها

فسرى يُدندِنُ تارةً ويُهمهِمُ

فكأنّه صبّ بباب حبيبة

متوسّل، مستعطف، مسترحم

والجدول الجذلان يضحك لاهيا

والنرجس الولهان مغف يحلم

وعلى الصعيد ملاءه من سندس

وعلى الهضاب لكلّ حسن ميسم

فهنا مكان بالأريج معطّر

وهناك طود بالشّعاع مهمّم

صور وآيات تفيض بشاشة

حتّى كأنّ الله فيها يبسم

فامش بعقلك فوقها متفهّما

إنّ الملاحة ملك من يتفهّم

أتزورُ روحك جنّة فتفوتها

كيما تزورك بالظنونِ جهنّمُ؟

وترى الحقيقة هيكلا متجسّدا

فتعافها لوساوس تتوهّم

يا من يحنّ إلى غد في يومه

قد بعت ما تدري بما لا تعلم

 

 

طباعة Email