أحمد شريف، فنان تشكيلي إماراتي له تجربة متميزة تقوم، على نوعٍ من التشخيصيّة المُختزلة، المشغولة بصيغة غرافيكيّة قائمة على التوفيق بين الخبرة والعفويّة، فغالبية أعماله ارتجاليّة وبسيطة، لكنها معبرة وتكتنز على خبرات فنيّة لافتة، جمعها بالاطلاع والممارسة الشغوفة المدفوعة بهواية ورغبة مفتوحة على التجديد الدائم، فهو لم يدرس الفن أكاديمياً، وإنما درس الاقتصاد، مدفوعاً باعتقاد راسخ يقول بأن الحس والفكر والتعليم، من المكونات الجوهرية للإنسان، خاصة إنسان هذا العصر.
فالتعليم هو الذي يجعل الإنسان مدركاً لطريقه وهدفه ومستقبله. ودراسته للاقتصاد، علمته حكمة مهمة تقول: إذا أردت أن تصل إلى الحل، عليك أن تبحث في فضاء آخر. وهو شخصياً يبحث اليوم عن الحل في فضاء اللون والخط والشكل، ثم يقوم بعجن وسائط تعبيره هذه، بإرهاصات مجتمعه الإماراتي وتطلعاته.
مرحلة التجريد
بعد المرحلة التي تأثر بها بأسلوب الفنان الفرنسي (هنري ماتيس) وأنتج خلالها مجموعة من اللوحات، رصد فيها مشاهد من مدينته بصيغة فنية بين خصائص الرسمة واللوحة والمحفورة، عنصرها الأساس الخط الأسود الغامق الجريء والتلقائي. بعد هذه المرحلة التي حافظ فيها على المشخصات الواقعية المستلهمة من نبض الحياة حوله، والمعالجة بشيء من الاختزال والتبسيط، غادر الفنان شريف إلى صيغة تجريدية تحولت معها المشخصات إلى بقع لونية، وإشارات ورموز، ظلت مع ذلك، تُشير إلى مرجعياتها الواقعية. هذه الحالة دفعته للتواصل مع نصوصه البصرية، بشكل مجرد، اعتماداً على ثقافته الفنية.
العلامة البارزة في أعمال الفنان شريف، تلقائيتها المدهشة التي قربتها من رسوم الإنسان البدائي، وخربشات الطفل، وهذا يدفعنا للاعتقاد بأن الفنان يستعيد بوساطتها، طفولة مفقودة، أو يستنهض بها ومن خلالها، عوالم خيالية مشتهاة، بهدف خلق نوع من التوازن يحتاجه كيان إنسان هذا العصر المنهك والمحاصر بإفرازات وتعقيدات «الميكنة» التي طاولت كيانه المادي والروحي في آنٍ معاً.
ترى الناقدة ليلى جمعة أن جل ما يحتاجه المتلقي لقراءة تجربة الفنان شريف هو البحث عن مناطق القراءة الخصبة المسلحة بوعي متقدم وجريء، ذلك لأن منح أعماله منحى التجريد، وتوظيف تقنية الفيديو لهذا الهدف، مكنه من نقل أفكاره ببساطة متناهية إلى أعماله الفنيّة.
وتؤكد جمعة على أن البساطة المتناهية في أعمال الفنان شريف، قد لا تُسعف القارئ باستيعاب هذه الأعمال بسهولة، إلا أن عمق أفكاره جدير بأن يُثبت العكس، وهو في العادة يعكف على ترجمتها بكثير من التبسيط، لكنها في الوقت ذاته، تتسم بالعمق، الأمر الذي يعكس ما يفكر به حيال أمر ما لا يخلو من فلسفة أو نظرة معينة متصلة بأمور الحياة حوله، وهذا ما أكده الفنان شريف بإشارته إلى أن أعماله تحمل الطابع البدائي المباشر، فهو يستخدم في تنفيذها الألوان في حالتها الأساسية، ما يجعل من أدواته الفنيّة محدودة وغير محدودة في الوقت ذاته، محدودة من حيث عدم المبالغة، أو اللجوء إلى التزيين، وغير محدودة لقدرته على استخدام أي شيء في تشكيل منجزه الفني المطلوب والمشروط برضاه عنه. ولأنه يتعمد تضمين هذا المنجز تساؤلات وأطروحات حياتية راهنة في المجتمع الإماراتي، ويُبسط تكويناته وأشكاله العفوية، سيتفاعل المتلقي معه جمالياً وفكرياً، لكونه معنياً بها.
رؤية مختلفة
ولأن الفن في حد ذاته (كما يقول الفنان الراحل حسن شريف) هو شكل من أشكال الإفراط في استهلاك التعبير العامي، جاءت طبيعة لوحات هذه المرحلة من تجربة الفنان أحمد شريف غير منحازة إلى النخبة، ولا تتعامل مع المنطق الهجائي.
فالعناصر اللونيّة، وطريقة استخدامها، تزعزع التجربة السائدة والمبتذلة للإنسان، وتشوش إدراكه الثابت عن الأمور من حوله في الزمن الحاضر، لذلك إذا أراد المشاهد البهجة البصريّة من لوحات أحمد شريف، فعليه أن ينظر أولاً إلى الأمور المختلفة في حياتنا المعاصرة، وبطريقة مختلفة.
باحث متمرس
ينظر أحمد شريف إلى الحياة في لوحاته (بحسب الراحل حسن شريف) بنظرة الباحث المتمرس، لأن الفن أولاً وأخيراً هو البحث الدائم والمتواصل، والهدف في البحث عنه ليس الحصول على التأمل الميتافيزيقي للظواهر (واقعة أو حالة)، ولا هو تعبير رومانسي، وإنما هدفه بحث واقعي لأجل تحريك السائد في الأفكار التي تقف عائقاً أمام التجديد تحريكاً ضئيلاً، وبالتالي مواجهتها بطريقة متواصلة ومتناغمة.


