تعد «المونودراما»، من أكثر الأنواع المسرحية إثارة للجدل، بين من يقف إلى جانب هذا الشكل المسرحي، وبين من يرى أنه يفقد «أبو الفنون» الكثير من رونقه وجاذبيته.
وفي حين ينسب إلى المخرج الإنجليزي الراحل «بيتر بروك»: أن المونودراما تفقد المسرح الكثير لأنها تعتمد الممثل الواحد، فلا تفاعل بين ممثل أول وممثل ثانٍ ضمن ثنائية الأخذ والرد، التي تؤسس لفعل درامي حقيقي، يرى المسرحي السوري فرحان بلبل، أن المونودراما اتجاه أخذ يفرض أفكاره وأشكاله الفنية رغم أنه «فن الملل»، وفن النخبة، ولم يتحول إلى فن جماهيري إلا في حالات نادرة.
رواد
وحسب الدراسات، فإن «المونودراما» ارتبطت بإرهاصات المسرح الأولى عند اليونانيين القدماء، قبل أن تعود إلى الظهور مجدداً في القرن الثامن عشر، على يد رائد فن المونودراما، الألماني «جوهان كريستيان برانديز»، منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.
لكن أول نص حمل شروط المونودراما الفنية، كان «بجماليون» للفرنسي، جان جاك روسو، في العام 1760، بدأت بعدها نصوص المونودراما تكتسب آفاقاً أرحب، من قبيل: مضار التبغ للروسي أنطون تشيخوف، والصوت الإنساني للفرنسي جان كوكتو وصولاً إلى عبثيات يوجين أونيل وصموئيل بيكيت، في «قبل الإفطار»، و«شريط كراب الأخير»، ما شرع الأبواب واسعة أمام هذا النوع من المسرح.
عربياً، يعد العراقي «يوسف العاني» أول من تبنى هذا الشكل المسرحي، في «مجنون يتحدى القدر» 1950، فيما كانت «يوميات مجنون» لنيكولاي غوغول من أوائل عروض المونودراما في سوريا، بإعداد وإخراج الراحلين، سعد الله ونوس، وفواز الساجر، وأداء أسعد فضة، في حين كانت أول مونودراما في دولة الإمارات «لحظات منسية» للمسرحي حبيب غلوم، عام 1989، من بطولة الممثلة سميرة أحمد.
وفي هذا السياق، كانت إمارة الفجيرة السباقة إلى إطلاق مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، عام 2003، الذي تابع مسيرته كتظاهرة فنية متميزة.
الممثل والمخرج، زيناتي قدسية، الذي يعد أشهر من عمل في المونودراما، وقدم اثني عشر عملاً على مدى سبعة وثلاثين عاماً، واعتبر مع الراحل ممدوح عدوان أصحاب الريادة الحقيقية لهذا الشكل الفني في سوريا، قال لـ «البيان»: المونودراما، أكثر الأنواع المسرحية تصنيعاً، ورواجاً، من بين الأنواع المسرحية الأخرى، لأسباب عدة لا مجال لذكرها الآن، وإذا استمرت أحوالنا الاجتماعية، والاقتصادية، على ما نحن فيه، فلن نشاهد على مسارحنا إلا المونودراما!
ورفض قدسية أن تكون المونودراما «صرعة»، كما يرى البعض، مؤكداً أنها لو كانت كذلك لانتهت في غضون سنوات، «هي مستمرة وفي انتشار أكبر». وقال: «كثيرون ممن عارضوا المونودراما ورفضوها في سنواتها الأولى، هم الآن أقرب الناس إليها».
وتابع: «لكن، كي أكون واضحاً، فإن بعض الذين اشتغلوا على المونودراما من باب الصرعة، أو الموضة، أو النزعات المريضة، فقد أساؤوا لأنفسهم أولاً، وللجمهور، وانتهوا مع انتهاء العرض الأول أو الثاني».
المخرج، د. عجاج سليم، قال لـ«البيان»: «فن المونودراما لم يأت فجأة، فقد كتب عنه، فيكتور هيغو، كذلك كان الممثل الواحد حاضراً في كل المونولوجات القديمة في المسرح اليوناني».
طوق نجاة
أضاف: «أنا شخصياً لا أعتبر المونودراما صورة حقيقية عن المسرح. فالمسرح فن جماعي. «المونودراما»، محاولة للنفاد بالجلد، تحمل في الوقت نفسه نوعاً مما يمكن أن نسميه «الأنانية المحببة»، مشيراً إلى أن بعض المسرحيين العرب، وجد، في ثمانينيات، وتسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالي في المونودراما طوق نجاة، إذ وجد الكثير من الفنانين أنهم يمكن من خلال المونودراما، أن يقدموا أنفسهم، وأفكارهم، وأحاسيسهم على الخشبة». وتابع: «ما حدث خلال هذه الفترة يمكن أن نسميه «هَبَة»، ولن أسميها طفرة لأنها ما زالت مستمرة، ولكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، دخل هذا الفن مرحلة جمود، وبشكل موازٍ مع الجمود الحاصل للمسرح بشكل عام، وإن كان لا يمكن التعميم، فالوضع مختلف بين دولة وأخرى».
مأزق
ولفت سليم إلى التجربة الكبيرة والمهمة، بين ممدوح عدوان، وزيناتي قدسية، وقال: «التجارب السورية في المونودراما كانت محاولة للتعبير عن الذات، والبحث عن تكنيك متجدد، لكيفية تقديم الفنان لنفسه، لكنها وصلت لما يمكن أن نسميه مأزقاً، فلم تعد تحمل النشاط، أو الجذوة التي كانت موجودة في بداية انتشارها».


