متاعب عالم النشر تغلق «الساقي» اللندنية

مكتبة «الساقي» في شارع «ويستبورن جروف» غربي لندن | من المصدر

ت + ت - الحجم الطبيعي

في نهاية هذا العام، تكون مكتبة «الساقي» أول مكتبة عربية في لندن قد أغلقت أبوابها، لم تصمد المكتبة أمام ارتفاع سعر الورق والشحن، في زمن تتحول الكتب فيه إلى الرقمية والسمعية بسرعة هائلة، وتحولت البرامج إلى مكتبات افتراضية تجني الكثير من الفائدة. ولعل ما يحزننا هو إغلاق مكتبات برمتها، قد أسسها المجتهدون يوماً، مكتبات كانت تشبه الرحلة الشيقة، كمكتبة «الساقي»، تنهي مسيرتها بعد عقود من ترسيخ الإبداع والثقافة في وجدان جماهير وأجيال سائحة ومغتربة تثقفت فيها واعتمدت في قراءاتها عليها.

ومع إغلاق مكتبة الساقي، أغلقت مكتبات كثيرة أبوابها في جميع أنحاء العالم، وأصعب ما يمكن لقارئ اليوم تخيله هو أن يصبح بعيداً عن مصاحبة المكتبة وما فيها من أسرار إبداعية وجمالية، على الرغم من سهولة فكرة الولوج إلى المكتبات التقنية، إلا أن البعض يقف أمام إغلاق المكتبات بحزن، إذ تعد ذاكرة عتيقة مليئة بالمعلومات ومشاعر الحنين التي تأخذ القارئ في رحلة إلى زمن مؤطر بعناوين شاسعة، رحلة تنتهي أمام واقعية غلاء الورق، ورسوم الشحن.

وعي

مكتبة الساقي الواقعة في شارع «ويستبورن جروف» غربي لندن، وهو من الشوارع المعروفة في جذب المتسوقين لمحال غير تقليدية، تأسست هناك عام 1979م على يد فكر وعزيمة أُندريه وسلوى جاسبار وميّ غصوب، ولم تمر سنوات ثلاث حتى افتتحوا فرعاً لمكتبة الساقي باللغة الإنجليزية، وكل ما كان يباع يعني بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، لتبيع الساقي كتباً تحمل وعياً بروح الحداثة وعقلاً مجدداً لكل قديم، من فكر إنساني وجدل سياسي.

حط الثلاثي أندريه وسلوى جاسبار، مع صديقتهما الراحلة مي غصوب رحالهم في لندن آتين من بيروت ولعل مشاريع كالمكتبة يأتي عادة من عائلة لها امتداد ثقافي، مثل أُندريه الذي ينتمي إلى عائلة متعلمة، حيث كان جده قاضياً ووالده طبيباً، بينما هو تخرج في مدرسة «الليسية»، التي تَعرّف فيها على زملاء من ديانات أخرى وللمرة الأولى، وأخذ يسأل ويبحث ويقرأ كتباً بلا عدد، حتى حفظ أكثر من ألف بيت شعر عربي.

وتجدر الإشارة إلى أن العائلات اللبنانية المشتغلة بالنشر، قدمت للغة العربية والثقافة العربية الكثير من الأعمال المتميزة، فكل ما انطلق من هذه البقعة انطلق بإبداع، فأسست لبنان من داخلها وخارجها الكثير وأضاءت الثقافة العربية الحديثة وبشكل عميق في الموسيقى والأدب والدراسات الأكاديمية والبناء والفلسفة والنشر، ليثبتوا أن الولاء للإبداع والكلمة.

ويمثل إغلاق مكتبة الساقي خسارة كبيرة، فها هو صرح ومنبر ثقافي تهاوى جراء التحديات الاقتصادية.

طباعة Email