من أبرز أدباء مصر في النصف الأول من القرن الماضي وأحد رواد الشعر العربي الحديث

أحمد زكي أبو شادي (2).. الشاعر المجدد

أحمد زكي أبو شادي

ت + ت - الحجم الطبيعي

من الصعب اختصار حياة شاعر مثل أحمد زكي أبوشادي، عاش ثلاثة وستين عاماً، وأنتج عشرات الكتب والدواوين الشعرية، في صفحة واحدة، ولذلك رأيت أنه لا بد من استكمال حوارنا معه لنتعرف إلى جوانب مهمة في حياته لم نتطرق إليها في الصفحة الماضية.

قلت: تحية لروحك الطيبة.

قال: ماذا تريد أن تعرف غير ما قلناه سابقاً؟

 

قلت: يعتبرك مؤرخو الشعر العربي من أبرز الشخصيات الأدبية المصرية التي ظهرت في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، كما يعتبرونك رائداً ومجدداً في الشعر العربي الحديث، فما أهم أعمالك الأدبية؟

قال: ديواني الأول كان نداء الفجر سنة 1910، توقفت قليلاً بعده ثم أصدرت ديوان الشفق الباكي عام 1926، ثم إحسان عام 1927، ثم أشعة وظلال عام 1928، ثم الشعلة عام 1933، ثم فوق العباب عام 1935.

 

قلت: كل هذه دواوين شعر؟

قال: نعم.. ولكن إنتاجي لم يقتصر على الشعر وحده.

 

قلت: ماذا غير الشعر؟

قال: لي مؤلفات مسرحية، حيث كان المسرح في مصر يشهد نهضة قوية، تسابق الشعراء والكتاب على مواكبة هذه النهضة، ففي عام 1927 أصدرت مسرحية الآلهة، ثم في عام 1933 مسرحية إخناتون فرعون مصر.

 

قلت: ولكن على الرغم من هذه الإصدارات لم تُعرف إلا شاعراً.. لماذا في رأيك؟

قال: كانت أعمالي المسرحية مثيرة، وصارت مصدر إلهام للشعراء الأصغر مني، مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وأبوالقاسم الشابي.

 

قلت: ولماذا تقول عنهم صغاراً؟

قال: لأنهم كانوا في بداية رحلتهم الأدبية، فعلي محمود طه أصغر مني بعشر سنوات، وإبراهيم ناجي أصغر بست سنوات.

 

قلت: الفرق بسيط.

قال: لكنه مهم.

 

قلت: حتى الآن لم نتطرق إلى حياتك الخاصة.

قال: وما أهمية حياتي الخاصة؟

 

قلت: الشعر يجسد حياة الشاعر، وقد ورد في شعرك اسم زينب عدة مرات، فمن هي؟ وما قصتها؟

قال: القصة دفنت معي.

 

قلت: لا يا سيدي! قصص الشعراء لا تموت، وحتى الآن نذكر ليلى حبيبة قيس، وعزة حبيبة كُثير.

قال: حسناً.. أختصر الحكاية لك.

 

قلت: تفضل.

قال: لا أخفي أنني في بداية حياتي الأدبية أحببت وفشلت، وهذا أثّر فيَّ كثيراً.

 

قلت: ألم تتزوج بعد ذلك الفشل؟

قال: بل أصبت بصدمة أخرى، حيث تم الطلاق بين والدي ووالدتي عام 1917.

 

قلت: الطلاق لا يشكل مأساة لك، فقد كنت شاباً.

قال: عندما تحل امرأة أخرى محل والدتك فهنا المأساة.

 

قلت: لم تجب عن سؤالي، ما قصة زينب؟

قال: كانت شابة جميلة، قريبة لزوجة أبي، تجيد الغناء والعزف على البيانو، وتقيم في بيت عائلتي الجديدة.

 

قلت: هل أحببتها؟

قال: لا أنكر أنني عشت أجمل أيام عمري عندما كنت أجلس إلى جانبها أستمع إلى غنائها وعزفها، ثم بعد ذلك أقوم بتدريسها الأدب والشعر العربي.

 

قلت: ثم ماذا حدث؟ هل ماتت؟

قال: لعل وقع خبر موتها على نفسي أسهل مما حدث.

 

قلت: وماذا حدث؟

قال: قررت زوجة أبي الظالمة أن تزوجها لرجل آخر.

 

قلت: أما كانت تعلم أنك تحبها؟

قال: قالت لأبي إنني لست أكثر من أخ لزينب، وإن زينب يجب أن تتزوج من ذلك الرجل المناسب.

 

قلت: وهل تم الزواج فعلاً؟

قال: رغم كل اعتراضاتي وحتى بكائي فإن زينب ضاعت مني، وتحطم الحب الثاني الذي كان حباً حقيقياً لم أنسه طوال أيام حياتي، ولن أنساه حتى أقابلها عند رب العالمين.

 

قلت: وكيف كانت حياتك بعد هذه المأساة؟

قال: أصبت باضطراب نفسي، جعلني أصدق حكاية جنون قيس بليلى، بل إن الصدمة كادت تودي بحياتي.

 

قلت: وماذا فعل والدك أمام هذه المأساة؟

قال: والدي شعر بحجم المأساة وقام بإرسالي إلى تركيا واليونان لأعالَج وأنسى.

 

قلت: في حياة كل شاعر مأساة، فهل أثرت هذه المأساة على شعرك؟

قال: بالطبع.. عُد إلى شعري وستلمس ذلك.

 

قلت: لم تحدثنا عن جمعية أبوللو إلا قليلاً.

قال: أنشأنا هذه الجمعية عام 1939، مع أحمد شوقي وخليل مطران وأحمد محرم، كما أنشأنا لها مجلة أبوللو.

 

قلت: كان لهذه الجمعية وتلك المجلة دور كبير في النهضة الأدبية الحديثة التي شهدتها مصر، فهل تذكر لنا من كان في هذه الجمعية؟

قال: كان الشاعر أحمد شوقي رئيساً لمجلس الإدارة، وخليل مطران وأحمد محرم نائبين للرئيس.

 

قلت: وأنت؟

قال: كنت المدير التنفيذي لهذه الجمعية.

 

قلت: أتذكر بعض أعضائها؟

قال: إبراهيم ناجي، وعلي العناني، وكامل كيلاني، ومحمود عماد، ومحمود صادق، وأحمد الشايب، وسيد إبراهيم، وعلي محمود طه، ومحمود أبوالوفا، وغيرهم.

 

قلت: ومتى صدر العدد الأول من مجلة أبوللو.

قال: في سبتمبر من عام 1932.

 

قلت: لكن أحمد شوقي توفي في أكتوبر من عام 1932.

قال: نعم.. عقدنا الاجتماع الأول للجمعية في بيته، وبعد أربعة أيام رحل شوقي إلى جوار ربه، فخلفه في رئاسة الجمعية خليل مطران.

 

قلت: من المعروف أن جمعية أبوللو لم تقتصر على المصريين.

قال: لقد رعت الجمعية شعراء من مختلف الأقطار العربية، وأحدثت المجلة نهضة أدبية كبيرة، ومن الشعراء الذين كانوا تحت جناحيها أبوالقاسم الشابي، وإلياس أبو شبكة، وحليم دموس، وشفيق المعلوف، وغيرهم الكثير.

 

قلت: ولماذا توقفت مجلة أبوللو عن الصدور؟

قال: في ديسمبر 1934، كان العدد الأخير لهذه المجلة.

 

قلت: والسبب هل هو مادي فقط؟

قال: إضافة إلى العجز المالي، فقد كانت هناك إساءات كثيرة وجهت إليها، ولم نستطع تحملها.

 

قلت: وماذا كان دورك؟

قال: كنت أدعو إلى التجديد في الشعر العربي والتخلص من التقاليد التي تحجرت، كما دعوت إلى الاحتفاء بكل لون من ألوان التفكير، كما دعوت إلى مناهضة الدكتاتورية الأدبية والفنية.

 

قلت: وكيف استقبل الأدباء والشعراء هذه الدعوة؟

قال: طبعاً ووجهت بمعارضة شديدة من المحافظين، حتى إن عباس محمود العقاد ادعى أن مجلة أبوللو هي مجلة يمولها الملك فؤاد لمحاربته شخصياً، وكان ذلك أقسى ما وجه إليَّ من إساءات.

 

قلت: لقد عانيتَ الفشل في الحب، والإساءة في نشاطك الأدبي.

قال: هذه هي الحياة.. وحتى الآن ورغم السنين التي مضت على موتي ما زال بعض النقاد العرب يسيئون إليَّ.

 

قلت: وما القصيدة التي سنسمعها منك في نهاية هذا اللقاء؟

قال: القصيدة التي مطلعها «يَـا مَنْ يُــوكِــلُ للأَجــانبِ مُلْكَـــهُ»، وكنت وجهتها للملك الذي قيل إنه من يمول مجلة أبوللو.

 

يَـا مَنْ يُــوكِــلُ للأَجــانبِ مُلْكَـــهُ

 

يَـا مَنْ يُــوكِــلُ للأَجــانبِ مُلْكَـــهُ

أتُــرَى نَسِيتَ نهــايــةَ المُتوَكّـــلِ

 

سَتَضِيعُ أنتَ وليسَ غَيْرُكَ ضَائِعاً

فَجَمِيعُهُمْ في الخُبْثِ جِــدّ مُــؤَصّلِ

 

والشعبُ سوفَ يَجِيءُ يَوْمُ حِسابِهِ

ويثـــورُ ضـدَ نهــايـةِ المُسْتَغْفِـــلِ

 

إني نصحتــكَ غيـــرَ رَاجٍ أنْ أَرَى

أمَــــــلاً يُحقّقُ لي وَحُلْمــاً يَعْـتَلِـي

 

لكنّـــهُ داعِي الوَفـــاءِ لِمَــوْطِنِي

ما دُمْتَ رَمْزَ عُــــلاهُ وهوَ مُؤَمّلي

 

فإذا كَفَــرْتَ بنَــا فَعَــــدْلٌ أنَنَـــا

نَمْضِي بغيــرِ التّــاجِ لِلْمُسْتَقْبَـــلِ

 

إنّـا نَـــــراهُ بِأيِ حَـــالٍ داعيـــاً

لِنُهُوضِنـــا بِجُهُــودِنَــا لا بالوَلِـي

 

ونكادُ نَسْمَعُهُ فَقَـدْ قَرُبَ المَــدَى

مُسْتَهْـزِئـاً بالسّالِفِ المُسْتَمْهِــــلِ

 

ويقولُ قَدْ خُودِعْتُمُو إذْ عَصْرُكُمْ

عَصْرُ الشّعُــوبِ بِهِمّـةٍ وبِمِعْــوَلِ

 

الآنَ فُرْصَتُــــكَ الوَحِيـــدَةُ قَبْلَمَا

تُصغِي إلى الدَاعِي المُلِحّ المُقْبِــلِ

 

ولَوْ انّني حَاسَبْتُ نَفْسِي بعْـدَمَا

رُوّعْتُ في يَأْسِي الطّويلِ المُبْتَلِي

 

فرأيتُ سُقْمَــكَ لاَ عِـــلاَجَ لِمِثْلِهِ

إلا زَوالُكَ في الظّـــــلامِ المُسْبَـــلِ

 

وَزَوَالُ عَـرْشِــكَ بَعْـدَمَا دَنّسْتَهُ

وَمَحَــوْتَ سُـــؤْدُدَهُ بِعَهْــــــدٍ أولِ

 

صفحة متخصّصة تضيء على سير وإبداعات قامات الشعر العربي

 

لمتابعة الحلقة الأولى

ـــ  أحمد زكي أبو شادي (1-2).. الشاعر المجدد

 

طباعة Email