تميز الشاعر أحمد رامي عن شعراء عصره بأنه عاش حباً ظل وفياً له طوال عمره، على الرغم من أن هذا الحب كان بائساً، ولا أمل منه.

فأم كلثوم كانت تتعامل معه كشاعر وأديب وصديق محب، دون أن تعطي ولو إشارة واحدة أنها تبادله مشاعر الحب والغرام، وذلك على عكس ولاّدة بنت المستكفي والشاعر ابن زيدون.

ولعل هذا الموضوع هو الذي يرجعنا اليوم إلى الشاعر أحمد رامي لنستكمل معه تفاصيل هذا الحب وكيف أثر في شعره.

قلت: أما زلت منزعجاً من حوارنا أيها الشاعر الكبير أحمد رامي؟

قال: أعرف أنك لن تتركني في سلام حتى تأخذ مني ما تريد.

 

قلت: لا أريد إلا سماع رأيك.

قال: تفضل.

 

قلت: درست في باريس اللغة الفارسية، لماذا؟

قال: كان لدي رغبة في قراءة شعر عمر الخيام بلغته.

 

قلت: وهل ترجمت الأصل؟

قال: نعم.. ترجمت كتاب عمر الخيام من الفارسية إلى العربية.

 

قلت: وهل كانت ترجمتك دقيقة؟

قال: استطعت أن أصل بترجمتي إلى الخطوط الرئيسية لفلسفة ذلك الشاعر العظيم عمر الخيام.

 

قلت: هل تقرأ لنا بعض هذه الرباعيات التي نظمتها شعراً عربياً واضحاً لا مجرد ترجمة حرفية من لغة إلى أخرى.

قال: بكل سرور.

 

لبستُ ثــوب العيش لم أستشر

                   وحـرت فيه بين شتى الفكـر

وسوف أنضو الثوب عني ولم

                   أدرك لمـاذا جئت أو أين المفر

 

قلت: قد يكون عمر الخيام قال ذلك، ولكن ليس بهذه المفردات.. ألا تشعر أنك أخطأت.

قال: بل أشعر أنني أبدعت.. فقد جعلت شعر الخيام عربياً خالصاً، وليس مترجماً.


قلت: وماذا أيضاً؟

قال:

طوت يد الأقدار سفر الشباب

              وصوحت تلك الغصون الرطاب

وقد شدا طير الصبا واختفى

              متى أتى يا لهفــا أيــن غـــــاب

 

قلت: أعجبتني تلك الرباعية التي تقول:

أحسن إلى الأعداء والأصدقاء

             فإنّما أُنس القلـــوب الصفــــاء

واغفــر لأصحــابــك زلاتهــــم

             وسامح الأعــداء تَمْحُ العِـــداء

قال: ولكن ماذا؟

 

قلت: أهذا مقال الخيام وحده أم فلسفتك أيضا؟

قال: لو لم أقتنع بهذه الفلسفة لما صغتها شعراً عربياً.

 

قلت: وهل تسامح أعداءك؟

قال: عشت حياتي مسامحاً غافراً للعدو والصديق.

 

قلت: أكان لك أعداء؟

قال: وما أكثرهم!

 

قلت: وما السبب؟

قال: الحب.

 

قلت: الحب لا يصنع العداوات.

قال: من قال.. الحب الأعمى يصنع الحروب، وكانت أم كلثوم تجمع الجميع بالحب، وكان هناك تنافس على كسب ودها وحتى قلبها، وهذا التنافس صنع العداوات.

 

قلت: إلى أي مدى كنت تحبها؟

قال: حبي لها لم يكن حب رجل لامرأة، حبي لها كان أسمى من الماديات ومعلقاً بالروحيات، كنت أعشق صوتها، قدرتها على الغناء ساعات طويلة دون أن يضعف صوتها أو يتعب، كنت أعشق ثقافتها العالية حنانها الدافق، مشاعرها الإنسانية، حسها الوطني، فكرها الإنساني المنفتح.

كانت تصغي إلى الشعر وتدرك ما فيه من قوة وتلمس ما فيه من ضعف، ولم أكن أرضى عن قصيدة نظمتها حتى تمهرها برضاها وإعجابها.

 

قلت: وهل كنت سعيداً بهذا الحب الذي كان من طرف واحد؟

قال: نعم كنت سعيداً فقد كانت تتعامل معي كصديق وكنت أتعامل كعاشق خاضع. كانت بمثابة أخت كبيرة للجميع، تحظى بالاحترام والإجلال.

 

قلت: ماذا كان شعورك حينما سمعتها تغني رباعيات الخيام؟

قال: وصلت إلى ذرى السعادة، كنت أشعر أن هامتي علت وأن رأسي تجاوز بعلوه السحاب، آه كم كنت فخوراً وأنا أصغي إليها باكياً.

 

قلت:

أفق خفيف الظل ناج السحر

              وهاتهــا صرفــاً ونــاغِ الوتــر

فما أطــال النوم عمراً ولا

             قصّر في الأعمار طـول السهـر

 

قلت: هذه رباعية، فهل سبقك أحد إلى نظم الشعر العربي بشكل رباعيات؟

قال: لا فضل لي في ذلك.. فشعراء الفارسية ابتكروا هذا النمط الذي انتقل إلى العربية في القرن الرابع الهجري، ويسمى هذا النمط بالفارسية «دوبيت». أي، بيتان.

 

قلت: ولماذا أسميناه رباعيات؟

قال: نظراً لوجود أربعة أشطر فكل بيت له شطران صدر وعجز.

 

قلت: نحن نسمي الأبيات الأربعة رباعية.

قال: لم لا؟ من حق الشاعر أن يسمي ما يشاء.

 

قلت: شاعرنا الكبير أحمد رامي، عشت بعيداً عن مصر في باريس وفي جنيف، حيث عملت كأمين مكتبة عصبة الأمم فيها عام 1938، بعد انضمام مصر إلى عصبة الأمم ثم عدت إلى مصر لتعمل مستشاراً لدار الإذاعة المصرية فماذا كان عملك في الإذاعة؟

قال: كانت الإذاعة تمثل نهضة إعلامية عربية كبيرة وكانت اللغة العربية هي خيمة هذا الإعلام وكان لا بد من إجادة الفصحى لكل من يعمل فيها شاعراً وخبيراً باللغة العربية كان دوري هو الإشراف على بناء القدرة اللغوية للمذيعين والمذيعات، وكان هذا العمل يسعدني كثيراً.

 

قلت: غنّت لك الحبيبة أم كلثوم أكثر من مئة وعشر قصائد، فهل كنت تتقاضى أجراً منها؟

قال: نعم.. وكان أجراً عالياً جداً.

 

قلت: كم؟

قال: سعادة، نشوة، انفعال، سرور، فخر، اعتزاز.

 

قلت: والمال؟

قال: في إحدى رباعيات الخيام أقول:

من يحسب المال أحب المنى

               ويذرع الأرض يريد الغنى

يفـــارق الدنيــا ولم يختبــــر

               في كده أحوال هــذي الدنى

 

قلت: هذا ما عرفناه عنك لم تكن تتقاضى أجراً.

قال: تمنحني هذه المرأة العظيمة شرف غناء شعري وأطلب الأجر.. معاذ الله.

 

قلت: وماذا كان أصعب موقف تعرضت له في مسيرة هذا الحب المعذب الشقي.

قال: يوم قيل لي مضت إلى جوار ربّها.

 

قلت: بكيت؟

قال: جفّت الدموع.. وانتهت الحياة بالنسبة إلي.

 

قلت: رثيتها؟

قال: لم أكن أريد ذلك، ولكن أصرّ الشعر أن يقول كلمته.

 

قلت: فماذا قال؟

 

إلى أم كلثوم

ما جال في خاطري أني سأرثيها

              بعد الذي صغت من أشجى أغانيها

قد كنت أسمعها تشدو فتطربني

              واليــوم أسمعني أبكــي وأبكيهــــا

صحبتها من ضحى عمري وعشت لها

              أدف شهد المعاني ثم أهديهـــا

سلافة من جنى فكري وعاطفتي

              تــديرهــا حـــول أرواح تناجيهــــا

لحنا يدب إلى الأسماع يبهرهـــا

              بما حوى من جمـــال في تغنيهـــــا

ومنطقا ساحـــرا تسري هواتفه

              إلى قلـــوب محبيهــــا فتسبيهـــــــا

وبي من الشجو من تغريد ملهمتي

              ما قــد نسيت به الدنيـــا وما فيهـــا

وما ظننت وأحــلامي تســامرنــي

              أني سأسهـــر في ذكرى ليـــاليهـــا

يـــا درة الفـــن يا أبهى لآلئـــــــه

              سبحـــان ربي بديع الكَــون باريهـا

مهما أراد بيـــان أن يصــورهـــا

              لا يستطيع لها وصفـــاً وتشبيهـــــا

صوت بعيــد المدى ريا منـاهلــه

              به من النبـــرات الغــر صافيهـــــــا

وآهة من صميم القلب ترسلهـــا

              إلى جراح ذوي شكــوى فتشفيهــــا

تشدو فتسمع نجوى روح قائلها

              وتستبيــن جمـال اللحـــن من فيهــا

يا بنت مصر ويا رمز الوفاء لها

              قدمت أغلى الذي يهـــدى لواديهـــا

كنت الأنيس لها أيّـــام بهجتهــا

              وكنت أصـــدق بــاك في مآسيهــــا

أهبت بالشعب أن يسعى لنجدتها

              بالمال والجهـــد إحياءً لماضيهـــا

يا من أسأتم إليها بعد غيبتهـــا

              لا تجـزعــوا فلها ذكـــر سيبقيهــــا

أضفى إلهي عليهــا ظل رحمته

              وظل من منهل الرضـوان يسقيهــا

تبلى العظام وتبقى الروح خالدة

              حتى تــرد إليهـــا يـــــوم يحييهــــا

 

صفحة متخصصة تضيء على سير وإبداعات قامات الشعر العربي