الرواية النسوية بين التصنيف الأدبي والفصل الجندري

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

هل يمكن اعتبار «الرواية النسوية» تصنيفاً أدبياً مستقلاً، أم أنَّ ما يحدّد جودة المنجز الإبداعي، سواء لروائيين أو روائيات، هو جمالياته: البنية الدرامية، والسرد، وأبعاد رسم الشخصية؟. وعلى الرغم من الجدل الذي يثيره مصطلح الأدب النسوي بين مؤيد ومعارض، فإن معظم الآراء، مع بعض الاستثناءات، تصب في أن لا علاقة لجودة النص السردي بجنس الكاتب، فالأهم بنظر هؤلاء، قدرة المؤلف على تفكيك الواقع، وإعادة بنائه، وبالتالي إثارة شغف القارئ، والمساهمة في تكوين الرأي العام.

ويؤكد المناصرون لرؤية عدم التقسيم الجندري للأدب، أن الروائية المرأة سبقت الرجل، وكانت لها الريادة في هذا المجال الإبداعي، مستشهدين برواية «حسن العواقب» للبنانية زينب فواز، الصادرة عام 1899، أي قبل صدور رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، بنحو 15 عاماً.

لكن، وبالمقابل، تظهر الإحصاءات، حضوراً أقل لحجم المنتج الروائي النسائي. وفي نظرة على حجم المشاركات النسائية والفوز بالجوائز المعنية بالرواية، نجد أن نسبتها لا تتجاوز 15 إلى 25 بالمئة، فجائزة البوكر العربية للرواية، على سبيل المثال، ذهبت مرتين فقط لسيدات، «رجاء عالِم» مناصفة مع المغربي محمد الأشعري، عام 2011، ولهدى بركات، عام 2019.

ولم تكن الروائيات على الساحة العالمية أفضل حالاً، فمنذ إطلاق جائزة «نوبل» عام 1901 فازت 16 سيدة فقط في فرع الآداب، مقابل 102 جائزة للأدباء والكتاب الرجال، لكن النساء حققن تقدماً لافتاً منذ عام 2013، إذ حصلن عليها منذ ذلك الحين مناصفة مع الرجال، بواقع 5 جوائز لكل من الجانبين.

رفض

«البيان»، استطلعت آراء عدد من المشتغلين والمهتمين في هذا الشأن. وتؤكد الروائية السورية إيمان شرباتي في هذا السياق، رفضها للتقسيم الجندري للرواية، وتقول: لا أعترف بما يطلق عليه «الأدب النسوي»، فالذي يحدد مكانة وجودة السرد، هو البنية الدرامية، والجماليات من خلال القدرة على رسم الشخصيات، بعيداً عن جنس المؤلف. وتضيف: حتى لو ذهبت جدلاً مع من يقولون إن الرواية النسوية هي تلك المنتَجة من عقل امرأة، فإنني لا أرى فارقاً بينها وبين الرواية التي ينتجها عقل رجل.

وفيما يتعلق بالرقابة المجتمعية، وتأثيرها على الروائية المرأة، تقول شرباتي: لا شك أن أصحاب التصنيف الجندري، هم من يحددون التابوهات، التي تبدو للمرأة أضيق بمراحل من تلك التي يتيحون للكاتب الرجل أن يتحرك ضمنها، على الأخص في مواضيع معينة، وهذه نتيجة ثقافة مجتمع بأكمله.

وتشير، إلى بروز روائيات منذ خمسينيات القرن الماضي، في سوريا على سبيل المثال، غادة السمان، وكوليت خوري، إلفة إدلبي، تميزن بانتمائهن الأرستقراطي الذي أتاح لهن الاحتكاك بالأوساط الثقافية، فيما شهدت العقود الثلاثة الأخيرة للقرن العشرين تطوراً نوعياً، وكمياً، في الرواية النسوية. فظهرت 19 رواية حتى عام 1970، و12 رواية في العقد التالي، وفي الثمانينيات 22 رواية، وفي التسعينيات 42 رواية. وتستطرد أن أول رواية نسائية في سوريا حملت عنوان «يوميات هالة» لسلمى الحفار الكزبري 1950.

صورة نمطية

وتخلص شرباتي إلى أن الواقع الذي شهدته سوريا خلال سنوات الأزمة شكل مادة غنية للكتّاب، فظهرت على الساحة روائيات قدمن أعمالاً متميزة، لكنها تمحورت في معظمها على قضايا تخص المرأة. في المقابل ظهرت المرأة لدى الروائيين السوريين في الغالب بصورة نمطية، وقلة منهم، لامسوا أحاسيسها ومعاناتها وقضاياها.

الروائية، أنيسة عبود، تتفق مع شرباتي بأن لا وجود للفصل بين الأدب النسوي والذكوري، لأن هذا المنتج الإبداعي مصدره الإنسان، ويتوجه إليه ككل، بغض النظر عن جنسه، ويخاطبه برغباته وآماله ومشاعره وأحاسيسه.

وتشير إلى أن مصطلح الكتابة النسوية جاءنا حديثاً من الغرب، من خلال الكاتبة الفرنسية، هيلين سيكسوس، التي تعد من أوائل المفكرين في النظرية النسوية، خلال سبعينيات القرن الماضي، فكان سلماً، حسب عبود، استندت إليه العديد من الكاتبات، لجذب القارئ، والوصول إلى الشهرة.

تفخيخ المصطلح

الكاتبة والإعلامية، فلك حصرية، قالت لـ«البيان»: إنه بين مؤيدٍ ومعارضٍ، ومقرٍ ورافضٍ، يقع «الأدب النسوي» في تفخيخ المصطلح، وتجاذبية التصنيف، وتقسيم الإبداع! ليبقى التساؤل قائماً: هل هناك فعلاً أدب نسوي قائم بذاته، يتمتع بشخصية متكاملة، وبالتالي يعلن عن استقلاليته وتفرّده؟ أم أنه ليس أكثر من تابع ملحق؟

وترى حصرية، أن الروائية العربية حققت حضوراً قوياً في نصوصها، وفي التعبير عن مكنوناتها وآمالها وآلامها. وتقول: ما دمنا نعيش في مجتمع له تقاليده، وعاداته، ومنظومته المجتمعية، لا بد من أن نكون مقيدين، فكيف بروائية تسعى للخروج من شرنقتها، والانعتاق من قيود مجتمعها، في وقت لا يمكنها ذلك، إلا من خلال رسم لمضامين قصّية – سردية للبوح عما يعتريها من هواجس، كان في الإفصاح عنها كشفاً للمحظور في التركيبة الأنثوية، شديدة الخصوصية.

وتضيف: إن تجربة الأدب النسوي العربي، تلخص حال المجتمعات العربية من نواحٍ عديدة، فكرياً، واجتماعياً، وحتى جندرياً، وتبقى الروائية العربية مجتهدة في تناول قضايا مجتمعها، ومعاناتها فيه وأمنها وإنسانيتها.

وتخلص إلى أن واقع الرواية النسوية العربية، لا يخضع - بمضمونه الدقيق - لما يمكن أن يعبَّر عنه بالمفهوم العربي- العلمي للمصطلح، في وقت تجتهد فيه الروائية العربية في تناول قضايا مجتمعها، ورفع شعارات تحرير المرأة، ولعل النصوص الروائية تؤكد على افتقارها، وخلوها من مضامين تثير الجدل، وتذكي المماحكات والنقاشات منذ زمن طويل، ولعل في هذا ما يشير إلى واقع الرواية النسوية، وجعله غير جندري، وبالتالي غير نسوي بالمفهوم الغربي للمصطلح.

 

طباعة Email