أكثر من 150 عاماً ولا تزال دار الكتب والوثائق المصرية تمارس دورها الحمائي والإحصائي والتوثيقي، ليس للمخطوطات العربية والشرقية وأوراق البردي ولوحات الخط العربي فحسب، إنما لكل ما وصل إلى الأيدي من فكر مكتوب أو مخطوط، فلم تتوقف الدار منذ أسسها الرائد علي باشا مبارك، وجمع فيها شتات الإبداع من المساجد والمدارس والمكتبات القديمة، والأكثر من ذلك ما تقوم به الدار حالياً من مشروعات إلكترونية لخدمة القراء والباحثين العرب باستخدام أحدث تكنولوجيا العصر.. تعالوا بنا نبحر في نحو 150 عاماً من عمر «كتبخانة» مصر.

أصدر الخديوي إسماعيل الأمر العالي بتأسيس دار للكتب بالقاهرة «الكتبخانة الخديوية المصرية»، كما كان يُطلق عليها حينها، عام 1870، بناءً على اقتراح علي باشا مبارك ناظر ديوان المعارف، لتقوم بجمع المخطوطات والكتب النفيسة التي كان قد أوقفها السلاطين والأمراء والعلماء على المساجد والأضرحة والمدارس، ليكون ذلك نواة لمكتبة عامة على نمط دور الكتب الوطنية في أوروبا، وفي عام 1904م انتقلت المكتبة إلى مبنى أنشئ لها في ميدان باب الخلق بالقاهرة، لتصبح بعدها أول مكتبة وطنية في الوطن العربي.

خدمات

ظلت دار الكتب تؤدي دورها كمكتبة وطنية وهيئة مستقلة بذاتها حتى العام 1966 إلى أن تم إنشاء دار الوثائق القومية التاريخية، حيث صدر قرار رئاسي في عام 1966 بانضمام دار الوثائق لدار الكتب لتصبح اسمها دار الكتب والوثائق القومية، وفي العام 1977 تم ضم الهيئة العامة للكتاب إلى دار الكتب، لتصبح في النهاية الهيئة المصرية العامة للكتاب، واستمر هذا الوضع حتى صدر قرار بفصل دار الكتب والوثائق القومية عن الهيئة العامة للكتاب، وذلك في 1993، وأصبح لها هيكل تنظيمي مستقل، انقسم بعدها إلى 5 إدارات مختلفة، بكل منها أقسام متعددة تقوم بمهام مختلفة ومتعددة.

مقتنيات

تضم دار الكتب والوثائق القومية إدارة المكتبات الخاصة والمهداة، وتضم المكتبات المهداة مجموعات كبيرة لمشاهير الأدباء والمفكرين، أمثال: (عباس العقاد، وأحمد تيمور باشا، وأحمد زكي باشا، وغيرهم)، كما تضم المكتبات الخاصة مكتبات الأسرة المالكة المصرية التي آلت للحكومة المصرية بعد الثورة، كما أنها تضم أعظم وأندر المخطوطات وأوائل المطبوعات باللغة العربية وغير العربية، إضافة إلى رصيد ثري للغاية من ألبومات الصور والمسكوكات، وأهم ألبومات الصور والمطبوعات باللغة العربية واللغات الأوروبية. وتتولى الإدارة العامة للمكتبات العامة الإشراف الفني على المكتبات الفرعية التي يبلغ عددها 28 مكتبة عامة بالقاهرة والأقاليم، إضافة إلى المكتبات النوعية للأطفال، والمكتبات المتنقلة التي تقوم بزيارة ثلاثين موقعاً في القاهرة الكبرى مرة كل 15 يوماً، كما تشمل هذه الإدارة إدارة الفهرسة المركزية، والفهرس الموحد.

إشراف

هناك إدارة مركزية لدار الوثائق تختص بالإشراف على جمع الوثائق التي تُعد مادة تاريخية للتاريخ القومي المصري وما يتصل به في جميع العصور، وكذلك الإشراف على حفظها وإتاحة استخدام محتوياتها والاطلاع عليها من قبل الباحثين والمؤرخين.

كما تقوم الإدارة العامة لجمع وحفظ الوثائق بالإشراف على جمع الأوراق والسجلات والمذكرات من جميع أنحاء مصر، والتي تُعد مادة لتاريخنا القومي، كما تختص بفرز الوثائق وتصنيفها وتسجيلها.

وعن حفظ المستندات في دار الكتب والوثائق، قالت الدكتورة نيفين موسى، رئيس دار الكتب والوثائق القومية: إن الدار هي المسؤولة عن حفظ كل الأوراق والمستندات التي تنتجها الدولة بشكل رسمي، كما أنها تهتم بالباحثين، لأن من أهم وظائفها إتاحة الوثائق للباحثين، باعتبارها سجلاً واضحاً يمكن الرجوع إليه، وهي متاحة لمن يحتاج إليها من الباحثين، ولكن بعدة شروط، منها أن تكون المستندات المطلوبة قد تمت رقمنتها بالفعل، ومن الممكن إتاحة الأصل أيضاً من الوثيقة المطلوبة، ولكن وفقاً لشروط معينة.

مستندات

وأضافت موسى لـ«البيان» أن دار الكتب والوثائق تستقبل أسبوعياً وثائق ومستندات جديدة، يتم عرضها على لجنة متخصصة، ويتم التعامل معها بشكل علمي كي تتم أرشفتها وحفظها وفقاً للقواعد العملية والعلمية المتعارف عليها.

وأشارت إلى أن الدار يوجد بها وثائق تعود إلى القرن التاسع عشر، والعصر الإسلامي، وأيضاً العصر العثماني، فالدار تحتوي على 100 مليون وثيقة تتعلق بتاريخ مصر عبر العصور، كما أنها تحتوي على وثائق تتعلق بالشعوب العربية ومنطقة الشرق الأوسط.

أما عن تاريخ حفظ الوثائق بالدار، فقالت رئيس دار الكتب والوثائق القومية إن المصري القديم اهتم بعملية الأرشفة منذ القدم، وكانت مدينة الإسكندرية في العصر البطلمي هي مقر الأرشيف الملكي، وفي العصر الروماني زاد عدد الوثائق، فتم إنشاء دار للوثائق في كل إقليم، واستمر بعدها جمع الوثائق في العصر الإسلامي، الذي كان يعرف بـ«دار الإنشاء».

واستكملت: تطور الأمر في عهد محمد علي، ثم عهد الخديوي إسماعيل الثاني، وتم استحداث الدار عقب ثورة 1952، إلى أن انتهت عملية التطوير منذ عام 1993 إلى يومنا هذا، بعد أن أصبحت دار الكتب والوثائق جهة مستقلة بذاتها، مُبتعدة عن الهيئة العامة للثقافة المصرية، ووصلت لما هي عليه الآن من تاريخ.

أهداف

وحول أهداف دار الكتب والوثائق، التي تسعى إلى تحقيقها، قالت إن أهم هذه الأهداف تتمثل في جمع وحفظ وصيانة مقتنيات الدار التراثية من الكتب وأوائل المطبوعات والدوريات والمخطوطات وتنظيمها والتعريف بها والإعلام عنها.

بالإضافة إلى توثيق الصلات العلمية والثقافية مع مختلف المكتبات والمؤسسات في الداخل، وكذلك دور الكتب العالمية والهيئات العلمية والثقافية بالخارج، وبخاصة في الأقطار العربية، وذلك عن طريق تبادل المطبوعات والمعلومات الفنية، ما يعمل على التعريف بالدار ومطبوعاتها ومقتنياتها.

حفظ

من جهته، أكد د. مينا رمزي، رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب المصرية، أن دار الكتب والوثائق القومية تستمد أهميتها وقيمتها في المجتمع الثقافي كونها مكاناً يحفظ الوثائق النادرة التي تشكل تاريخ مصر، فهي توثيق لأحداث تاريخية مهمة مرت على هذا الوطن، ولا يمكن قراءة تاريخ مصر بصورة جيدة وصادقة إلا عبر الوثائق التي يحويها هذا الصرح الثقافي والتاريخي المهم.

وأضاف أن المقتنيات التي تحتفظ بها الدار تصل إلى 10 ملايين مجلد من الكتب، بخلاف الوثائق الأخرى، كما أن الدار تحتوي على 60 ألف مجلد مخطوط، بخلاف البرديات والمسكوكات والدوريات والمواد السمعية والألبومات.

وكشف لـ«البيان» أنه ستتم إتاحة المعلومات الموجودة بالدار عبر الإنترنت عن طريق خدمة الإيداع الإلكتروني، كما أنه سيتم اتخاذ خطوات نحو تنفيذ عملية الدفع الإلكتروني لتنفيذ البيع الإلكتروني للوثائقيات عبر الدار.