لا شك أن الاهتمام بالفنون الشعبية يمثل إحدى أهم ركائز تدعيم الهوية الوطنية، ما يضفي أهمية على جمع الموروث الفني واستيعابه، بصورته الأصلية، والاحتفاظ بالقدرة على تذوقه والإحساس به وبجماله.
يقول الأديب والمفكر والمؤرخ المصري أحمد أمين: إنّ قوانين الجمال واحدة مهما اختلفتْ مادّتها الأوّليّة، فقد تكون المادّة حجراً فتكون تمثالاً، أو لوناً فيكون تصويراً، أو صوتاً فتكون موسيقى، أو يكون شِعراً أو نثراً. ويضيف: وقد ندرك الجمال بأعيننا، وقد ندركه بآذاننا. وإنّ كلّ الفنون مرجعها عند الفنّان والسامع والرائي إلى الشّعور بالجمال. ويقول الأديب والكاتب المصري محمد حسين هيكل (توفّي عام 1956): إنّ الذّوق الفنّي هو الجمال الذي تستريح له العين، وتطمئنّ له النّفس التي غالباً ما تدرك الجمال وتتذوّقه بمقدار تهذيبها وتثقيفها. وهذا يدلّ على ما تتمتّع به الموسيقى في نفوس المتذوّقين الذين يرون فها مادّة ثريّة للسماع والمشاهدة.
ألوان وأنماط وارتباط وتأثير
يمكن احتساب ألوان الفنون الشّعبيّة المختلفة معبّراً عن الجانب الفكري. وتبقى أثيرة لدى القلوب رغم التطوّر المذهل للفنون الأخرى، وهي الأكثر قُرباً من النّفوس والأعمق تأثيراً في الأمزجة. كما تبقى أصيلة، مترفّعة، معتزّة بنفسها، ويفتخر بها كلّ مَن مارسها وأدّاها. كما أنّ التراث الفنّيّ لوّنتْه البيئة المادّيّة، وصاغتْه البيئة الاجتماعيّة، وأَثْرتْ به في حياة الإنسان بصفة عامّة من النّاحيتين العقليّة والوجدانيّة.
العرض الفنّي
ربما مثل هذه الإصدارات المتعلّقة بالفنون الشّعبيّة تتطلّب استعراضاً فنّيّاً، وعرضاً موسيقيّاً، وإحصاءات وجداول ألحان ونوتات إلا أنّ مثل هذه الأمور التكميليّة ينجبر نقصها باستشارة أهل الفنّ، والاستعانة بهم في تثبيت معانيها. وفي كلّ الأحوال فإنّ أيّ عمل فكريّ بَشريّ معرّض للقبول أو الرفض من قِبل القرّاء، وهذا لا يمنع النّقد البنّاء، وهو طبيعي أن يحدث في مثل هذه الإنتاجات خاصّة.
أهداف الجمع الشفاهي
يجب أن ترافق عمليّة الجمع وتوثيق جهود الآباء وحفظها في ميدان الفنون الشّعبيّة المعرفة والخبرة والدراية والدُّرْبة. ويتمّ من خلالها التعرّف إلى أداء الفنون، وأشعارها، وتوثيق أصولها وقواعدها، وأسماء مسؤولي الفِرق الأقدمين. ولا يتمّ ذلك إلا بإجراء مقابلات مع كبار المؤدّين والروّاد أو مع مَن عاصرهم ونقل عنهم. وفي الوقت نفسه يمكن الاستعانة بما نُشر عن هذه الفنون في الصحافة المحلّيّة، وما تمّ حفظه في الصور والفيديوهات. ويتطلّب ذلك أيضاً إعداد قائمة بأسماء الرواة، وتوزيع التسجيلات، وتدوينها. وفي نهاية المطاف تنتج عن كلّ تلك الجهود دراسة علميّة موثّقة.
ومن الجدير بالإشارة إلى أنّ الجمْع الميدانيّ للموسيقى والفنون يكشف عن تنوّع ثريّ يختزنه واقع الثقافة الفنّيّة الشفهيّة والحركيّة في ميادين شتّى. ويسهم أيضاً في اكتشاف لهجات الفنون وألفاظها. كما يتعرّف الباحث في العمل الميدانيّ في الفنون إلى الظروف المعيشيّة التي مرّ بها المجتمع، ويتلمّس من خلال الأغاني القِيم والعادات والتقاليد السائدة قديماً كما أنّ كثرة الفنون التقليديّة التي توارثتْها الأجيال جيلاً بعد جيل تدلّ على اهتمام الجماهير بهذه الموروثات. وتحتلّ هذه الفنون الأصيلة بالتالي مكانة خاصّة في حياة الآباء والأجداد، ولا تزال تواكب الوجدان، وتعبّر عن الأحاسيس والشجون والتطلّعات. وفي اعتقادي أنّ الغوص في أعماق التراث الفنّيّ الشّعبيّ بمقام التقاط اللآلئ الأصيلة الراسخة في أعماق المجتمع وتقوم على أساسٍ متينٍ ومكينٍ ضمن المنظومة المتكاملة للحركة الثقافيّة والأدبيّة والفنّيّة في الإمارات. وأيّ عمل جمْعيّ ميدانيّ ترسيخ لأُسسٍ قويّة لأيّ نهضة ثقافيّة وفكريّة مع الانتباه إلى أنّ استلهام التراث بما فيه من عناصر لا يمكن أن يتمّ من دون دراسة وتمحيص وتدقيق وتوثيق.
المنهجيّة العلميّة
إنّ تخليد الفنون الشّعبيّة وحفظها لا يتأتّيان فقط من خلال جمع بعض القصائد من هنا وهناك من دون خطّ عمليّ واضح. بل هو عمل متكامل يعتمد جزء منه على الميدان والالتقاء برموز الفنون، ويعتمد الجزء الآخر على تأصيل المنهجيّة العلميّة في الكتابة والتأليف. وبناء عليه يجب اعتماد المقابلات مصدراً توثيقيّاً رئيساً لأنّها تكاد تكون المصدر الأول وربما أحياناً الوحيد. وفي الوقت نفسه يجب أن تتضمّن المقابلات معلومات اجتماعيّة وبيئيّة وفنّيّة واقتصاديّة، وأحاديث شخصيّة عن الرواة. وهو أمر طبيعيّ للتعرّف إلى الراوي من خلال حياته وعلاقاته بالنّاس في المجتمع بكلّ أشكالها، وإبراز ما كان يتمتّع به الراوي من مهارات عمليّة، وكفاءات حِرفيّة كما أنّ الحياة الاجتماعيّة التي كان يعيشها الراوي تعدّ جزءاً من حياة المجتمع بشكلٍ عام، وهي أيضاً تعدّ جزءاً مكمّلاً لا بدّ منه لاستكمال الحياة العامّة في المجتمع في الماضي والتي لم تشهدها الأجيال المعاصرة.
وبصورة عامّة فإنّ المقابلة الشفهيّة بحدّ ذاتها توضّح أبعاداً إنسانيّة نفسيّة ومباشرة، كما تفسح المجال أمام جميع الفئات الاجتماعيّة كي تعبّر عن مكنوناتها ومشاعرها. وفي الوقت نفسه فإنّ الباحث الحصيف أثناء إجراء المقابلات يلاحظ الانطباع العام لدى الراوي، وتأثير الأحداث فيه من خلال تعبيرات وجهه، وحركات يديه، وإشاراته، وتلميحاته. على أن تُفرّغ المقابلات وتدوّن بلغة عربية واضحة أو مفهومة على الأقل للقارئ العادي، ولا يمنع تضمينها بعض الفقرات باللهجة المحلّيّة إن تطلّب الأمر ذلك، مع تفسير بعض الألفاظ في الهوامش.
عُرضة للاندثار
تعني لفظة «الاندثار» عدم وجود أحد يواصل الأداء الفنّيّ، وربما يعود السبب إلى الوضع المالي، وكون تقبّل السابقين للفنّ غير عن تقبّل الجيل المعاصر له. بالإضافة إلى انشغال الشباب بالدراسة ثمّ بالعمل وما تلاه من انشغال في أماكن العمل، والانشغال مع الأهل والعيال، بالإضافة إلى ضعف إقبال الشباب على الفنّ الشعبي. وبعد نشوء جمعيات الفنون الشّعبيّة في الإمارات غرق بعض إدارات الجمعيات في خلافات شخصيّة أثّرتْ في انضمام الشباب إليها ثمّ مع مرور الوقت ضَعُف دور هذه الجمعيّات ولم تعد محضناً جاذباً للشباب بالإضافة إلى انعدام الحوافز للمتدرّبين.
بالإضافة إلى تغيّر أمزجة الشباب في هذه الأيّام وانشغالهم بملهيات وتسالٍ جذّابة، وأمور أخرى تمنعهم ممارسة الفنّ. وبلا شكّ فإنّ الفنّ يحافظ على حضوره إذا ما مورس. ويبقى الاختلاف في استعمال الآلات الحديثة وإدخالها على ما توارثتْه الأجيال من آلات قديمة، إذ ربما يجذب إدخالها جيل الشباب المتعطّش للحديث، وربما تُكسب بعض الفنون تطوّراً وجماليّة. ولكن هذه الآلات المقحمة ربما لا تكون مقبولة في كلّ الفنون التراثيّة.





