شكل الشاعر العربي اللبناني خليل مطران مع كل من الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم مثلثاً أدبياً مهماً، واشتهر في حياته بلقب شاعر القطرين ولقب بعد وفاته بشاعر الأقطار العربية.
دعونا نقرع باب عالم الموت، الذي يعيش فيه ونلتقي به لقاء افتراضياً لنعرف منه كل ما نحتاج أن نعرفه عن حياته وشعره وأدبه.
قلت: سلام عليك أيها الميت الحي.. أو الحي الميت، سلام عليك أيها الشاعر خليل مطران.
قال: وعليكم السلام أيها القارع المزعج.
قلت: سامحنا على إيقاظك، ولكننا ما زلنا نعتبرك حياً، فهل نستطيع أن نعرف من أنت بالتحديد؟
قال: أنا خليل بن عبده بن يوسف مطران، ولدت في الأول من يوليو عام 1872 في بعلبك بلبنان، فأنا عربي من لبنان.
قلت: لمن ترد الفضل باتجاهك منذ الطفولة إلى الشعر؟
قال: أرده لوالدتي، هي التي شجعتني على أن أتجه للشعر. والدتي ملكة صباغ، كانت شاعرة، وأعتقد أنني ورثت منها هذه الموهبة.
قلت: يقال إن والدتك كانت فلسطينية.
قال: هذا صحيح، ونحن كما تعلم عائلة مسيحية، الأب لبناني والأم فلسطينية.
قلت: أعتقد أن كونك من عائلة مسيحية جعلك تتجه إلى الدراسة في المؤسسات التعليمية التابعة للكنيسة.
قال: في المرحلة الابتدائية درست بإحدى مدارس مدينة زحلة، ولكن بعد ذلك التحقت بالمدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت، وتخرجت فيها وعمري سبعة عشر عاماً.
قلت: وهل اهتمت تلك المدرسة باللغة العربية؟
قال: هذه المدرسة وغيرها كانت تركز على تدريس اللغة العربية بقواعدها ونحوها وصرفها، ولكن أتيح لي شخصياً أن أتلقى علوم هذه اللغة العظيمة على يد الأديب إبراهيم اليازجي، وأخيه الشيخ خليل اليازجي.
قلت: ولكن كونك مسيحياً، هل وجدت في اللغة العربية وعلومها المستندة إلى القرآن ما يجعلك تحس بالغربة؟
قال: بالعكس.. فأنا مسيحي عربي، وعروبتي كانت تدفعني حتى إلى حفظ القرآن.
قلت: هل كنت تجامل؟
قال: إنك تثيرني.. ليس في الانتماء مجاملة لأحد، أنا عربي ولساني عربي، وحضارتي هي الإسلام.
قلت: لا تحتد أرجوك.. ولكن أنت مسيحي.. وقدوتك المسيح ابن مريم وليس محمد بن عبد الله.
قال: أنت مصر على إثارة غضبي.. أنا رغم انتمائي إلى المسيحية، إلا أنني أعتز بالإسلام، وأفتخر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد جسدت هذا الفخر شعراً في قصائد عدة.
قلت: أنسمع منك بعض ما قلته في النبي العربي محمد بن عبد الله؟
قال: في قصيدة طويلة بعنوان رسالة محمد.. رسالة الله قلت:
عانى محمد ما عانى بهجرته
لمأرب في سبيل الله محمُـــــودِ
وكم غزاةٍ وكم حربٍ تجشمها
حتى يعـــودَ بتمكيــــنٍ وتأييـــدِ
كذا الحياة جهادٌ، والجهادُ على
قدرِ الحياة ومن فادى بها فودي
قلت: قصيدتك هذه أخذت شهرة كبيرة لأن من يقولها كان خليل مطران المسيحي.
قال: تربينا في لبنان وفلسطين ومصر وجميع البلاد العربية ألا يفرقنا تعصب ديني، بل جمعنا الإيمان بإله واحد دعا إليه المسيح عيسى عليه السلام، كما دعا إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
قلت: بماذا وصفت الرسول؟
قال: وصفت رسول الله محمداً النبي الأمي بأنه حارب الجهل، ودعا الناس إلى إزالة الشرك وعبادة الأصنام، وصفت عدله ورقته وعطفه وحمايته لأهل الكتاب، وإقرار مبدأ الشورى أقول:
بأي حلم مبيد الجهل عن ثقة
وأي عزم مـذل القــادة الصيدِ
أعــــاد ذاك الفتى الأمي أمته
شملاً جميعاً من الغر الأماجيدِ
صعبان راضهما: توحيد معشرهم
وأخــذهـم بعد إشراك بتــوحيدِ
وزاد في الأرض تمهيداً لدعوته
بعهــده للمسيحييــن والهــــودِ
هذا هو الحق والإجمـــاع أيـــده
فمـــن يفنــــده أولى بتفنيــــــدِ
قلت: فكرك العربي وشعورك بالانتماء إلى الأمة العربية جعلك قريباً من الجميع.
قال: كان ذلك طبيعياً جداً، وقد سبقني شعراء مسيحيون كثيرون إلى الاعتزاز بالنبي العربي والامتلاء بالثقافة الإسلامية.
قلت: لماذا هاجرت إلى فرنسا؟
قال: كان ذلك عام 1890، بعد أن تعرضت حياتي للخطر.
قلت: وما سبب ذلك؟
قال: بعد تخرجي في المدرسة البطريركية بدأت في نظم الشعر ضد الحكم العثماني وممارساته القمعية مما جعلني معرضاً للتصفية الجسدية، وهذا ما دفعني إلى الهجرة مبكراً إلى فرنسا.
قلت: وهل وجدت الأمان هناك؟
قال: هذا صحيح ولكنني في الوقت نفسه تواصلت مع بعض قادة حزب تركيا الفتاة، وكانت هناك صداقة بيني وبينهم.
قلت: هل تعلمت اللغة الفرنسية؟
قال: تعلمتها في المدرسة البطريركية، ولكنني أتقنتها بعد هجرتي إلى فرنسا، كما تعلمت في فرنسا اللغة الإسبانية، واطلعت على الأدب الإسباني.
قلت: وما الذي جعلك تترك فرنسا وتذهب إلى مصر؟
قال: لهذه قصة لا تنسى.
قلت: وما هي؟
قال: عندما سمعت بنبأ وفاة سليم تقلا مؤسس جريدة الأهرام المصرية، قمت بنظم رثائية له، وجهزت نفسي للرحيل النهائي عن فرنسا والاستقرار في مصر، وهذا ما حدث.
قلت: ولكن لماذا سليم تقلا بالذات، ما علاقتك به؟
قال: كان سليم تقلا أستاذي في المدرسة البطريركية وهو من علمني اللغة العربية.
قلت: يذكرون أنه ما كاد سليم تقلا يوارى في قبره حتى فوجئ الجميع بصوتك ينطلق في رثائية هزت قلوب جميع الحاضرين.. مما جعل بشارة تقلا شقيق سليم يتأثر، وينفعل ويعرض عليك العمل في جريدة الأهرام كصحفي.
قال: بالفعل هذا ما حدث في الثامن من أغسطس 1892.
قلت: ماذا كان العمل الذي عرضه عليك بشارة تقلا شقيق سليم الذي رثيته؟
قال: عملي كان المشاركة في تحرير الجريدة وقد قمت بذلك العمل حتى عام 1899، في ذلك العام انتقلت إدارة جريدة الأهرام من الإسكندرية إلى القاهرة.
قلت: وبالطبع انتقلت معها.
قال: اقترح عليّ السيد بشارة تقلا أن أرأس تحرير الجريدة فوافقت، ولكن لم أبق في الأهرام بعد ذلك إلا سنة واحدة.
قلت: عرفنا أنك أنشأت مجلة خاصة بك هي مجلة (المجلة المصرية).
قال: استمرت المجلة حتى عام 1902.
قلت: لماذا تتخلى عن جريدة عريقة كالأهرام من أجل مجلة جديدة تأسيسها ليس أكثر من مغامرة؟
قال: هذه المجلة ساعدتني على توثيق علاقاتي بشعراء وأدباء مصر والوطن العربي مثل: أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي، وكنت أنشر لهؤلاء الشعراء في المجلة.
قلت: لم تستمر هذه المجلة أكثر من عامين، لماذا؟
قال: أسباب كثيرة أهمها الملل.
قلت: نحتاج الآن إلى سماع بعض أشعارك، فماذا تختار؟
قال: أختار الحوار الشعري الذي دار بيني وبين الشاعر حافظ إبراهيم.
قلت: تفضّل.
قال: دار هذا الحوار بيني وبين حافظ إبراهيم في حفلة خيرية لرعاية الأطفال كانت في دار الأوبرا المصرية.
قال حافظ:
هـــذا صبيٌّ هــائــــمٌ
تحت الظلام هُيَامَ حــائِــرْ
أبلى الشقـــاء جديدَهُ
وتقلَّمت منه الأظـــافـــــرْ
فانظـر إلى أسمـالِــهِ
لم يبق منها مـا يُظــاهـــرْ
هو لا يــريــد فراقها
خوف الفوارس والهواجرْ
لكنهــا قـد فــارقتـــه
فراق معـــذور وعــــــاذرْ
إني أعــد ضلــوعـه
من تحتها والليـل عــاكــرْ
مطران:
لو كــان فــــذا إنّمــــا
هو عاثــر من ألف عاثـــرْ
أنظر إلى اليسرى وكم
تــدَعُ الميامــن للمياســــرْ
هــذي فتاة حــــالهـــا
أدهى وأفطــــر للمـــرائــرْ
هي بضعـــة لشقيــــة
زَلاَّءَ ما كــــانتْ بعَـــاقــــرْ
في مشيها وشحـوبهـا
سيمــا لتربية العـــواهــــرْ
وارْحَمَتَـــا لِصِبَــاكِ يَـا
شبهَ الأمــاليـــد النــواضـرْ
حافظ:
ما هد عزم القــادريـــن
بمصــر إلاّ قـول بــاكــــــــرْ
كم ذا نحيـــل على غـــد
وغــد مصير اليــوم صائــرْ
خوت الديار فلا اختراع
ولا اقتصــــاد ولا ذخــائــــرْ
دع ما يجشمها الجمـود
وما يجـــر من الجـــرائـــــرْ
في الاقتصـــاد حيـاتنـــا
وبقــاؤنـــا رغم المكــابــــرْ
تـربـو به فينا المصـانع
والمـــزارع والمتـــاجــــــرْ


