في كل موسم من مواسمها، تتحول جدران المنطقة التاريخية من مدينة أصيلة شمال المغرب، إلى متحف في الهواء الطلق، متحف يخرج الى الجمهور ويلتقيه في أزقّتها الضيقة وساحاتها الفسيحة.
هذا الموسم – المهرجان، الذي يعد مرجعية في فن الجداريات، بات يشكل تظاهرة واسعة وراسخة للوحات الجدارية التي استقطبت ولا تزال اهتمام عشاق الفنون الجميلة عربياً وعالمياً.
في الدورة الخريفية للنسخة الثالثة والأربعين من موسم أصيلة الثقافي الدولي، يعود الفنان التشكيلي والحروفي السوري خالد الساعي لإضفاء لمسته على جدران المنطقة القديمة، عبر جدارية كانت مغايرة في فكرتها ومراميها.
رسائل وأطياف
قرب جداريته التي أسماها "صمت اللغات"، كان يضع لمساته النهائية على مساحتها الرحبة، التقته "البيان" وسألته:
*هذه الجدارية فيها شاعرية طاغية على صعيد اللون والمعنى.. إلى أين ارتحلت برفقة هذه الحروف والأشكال والألوان، وما الذي كنت تود تقديمه لهذه المدينة وللعالم؟
هذا العمل يحمل رسائل عدة وبمستويات مختلفة، وهو يخاطب الطفل والكبير والمراهق والعاشق. فاللوحة جاءت مرسومة ومخطوطة بأطياف متنوعة من اللون الأزرق، كالأزرق البحري وأزرق "الترامارين" وغيرهما. وجاء شكل اللوحة مثل موجة هائلة تكسرت على الشاطئ، أو إعصار كبير يحمل معه الحروف على رذاذ الماء.
النص في الجدارية أُخِذ من نص الشاعر نوري الجراح كتكريم لزيارته مدينة أصيلة. والنص يقول: "لم تعد بيننا من لغة ولا ترجمة عن لغة أو إشارة.. صمتت بيننا كل اللغات".
دلالات الوصل
*وماذا تبتغي من تسمية "صمت اللغات" التي أطلقتها على الجدارية، أقصد ما الذي تريد قوله؟
-إذا تحقق التواصل الروحي والقبول والنية، ستصبح اللغة والإشارة دون جدوى، لأن لا حاجة لهما. وهذا شأن مدينة أصيلة التي تعد مدينة تموج باللغات القادمة من شتى أصقاع العالم، ولكن التفاهم يتم بين الناس، إذا حضرت اللغات أو غابت.
ويمكن قراءة المقطع الشعري وهو مكثف في شرارة وأول الإعصار، وأقصد هنا بـأن النص مكتوب في اللوحة بشكل مقروء في مركز اللوحة، ثم يتوسع كالإعصار، لكن الحروف لا تلبث أن تتفكك وتتداخل مع صعود الإعصار، وتصبح بشكل تجريدي، وكأنها ضاقت ذرعاً بمعانيها، أو أنها أرادت أن تتباهى بجمالها الخالص بعيداً عن أي معنى، أوً ليس المعنى في الشكل والحركة واللون؟!
تحولت الحروف في تلك اللوحة إلى سيمفونية الماء والأزرق، وكأن اللغة تتمرأى في الماء، وكأن الفنان الحروفي يقصد في إحدى تجليات عمله، أن الحرف وفن الخط مثل البحر، لا يتوقف عن توليد الاشكال والصيغ الجديد والآنية للحرف، وأن الحرف لغة بصرية لا حدود لها.
سمات وتفاصيل
*هنا، لا بد لنا من الحديث عن الحرف الذي استخدمته، وما دلالات ذلك، وبالتالي ما القياسات التي اعتمدتها خلال تنفيذ الفكرة، وكم استغرق إنجاز هذا العمل؟
إنه الخط الديواني الجلي، وهو خط موسيقي بامتياز، إذ إن الحروف فيه تصبح مثل موسيقى بصرية والحروف تتمايل وترقص في توضع طبقات متداخل ومدهش، و لكن ضمن تناغم أخّاذ.
أما بشأن قياس هذا العمل الجداري فهو ثمانية أمتار طولاً وأربعة أمتار ونصف المتر ارتفاعاً، وقد استغرق إنجازه ما يقرب أسبوعاً من العمل المتواصل.
لكن هنا توجد نقطة مهمة، وهي إحدى سمات موسم أصيلة. حيث تمثل فترة الإنجاز منصة رائعة يتواصل فيها الفنان مع المارة وضيوف المدينة والمهرجان، وبالتالي تشكل فرصة كبيرة لتقريب الفن إلى الجمهور، وتتيح إقامة التواصل والحوار بين الفنان والناس من أهل المدينة أو العابرين.
هوية ثقافية
*دأبتَ على المشاركة في هذا الموسم الثقافي الفني لسنين خلت، وكانت أعمالك الجدارية تشكل بصمة في كل دورة ساهمت فيها، ما الذي تحاول أن تقدمه من خلال تجربتك في هذه التظاهرة العربية والعالمية؟
-أحاول بالطبع، أن أقدم أعمالاً تتسم بخصوصية و فرادة وأصالة، يمنحها الحرف هوية ثقافية وتميزاً في الجمال. ففي إحدى الدورات السابقة عملتُ على فكرة سفينة نوح. وكانت تلك الجدارية عملاً ضخماً احتوى على أكثر من أربعة آلاف اسم، فقد أضفت الى فكرة تلك اللوحة مسألة مهمة وهي كتابة اسماء ابناء المدينة والعابرين فيها في نسيج اجتماعي وفني، حيث جاءت أسماء المحبين في تواشج جميل، وبطريقة لا يقرأها إلا الفنان أو العارف بهذا الفن، وبالتالي احتفظتُ بسر الحب، وعدم البوح بالأسماء، بينما كانت أسماء العوائل على شكلٍ شبكات أو أشجار صغيرة، وأسماء الأعلام أو البارزين كقواعد أو حاضنات.
وفي الطبقة العليا لسفينة الحروف، تحولت الحروف الى طيور تحلق في فضاء اللوحة، وكأن كل حرف كان يبحث عن الأرض، ليحط من جديد أو يأتي بغصن سلام.
نبذة
خالد الساعي فنان تشكيلي سوري من مواليد حمص 1970.
تخرّج من كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1998.
مقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعمل في بيوت الخطاطين بالشارقة.
عام 2002، درّس "تعريف بالخط العربي" في جامعة ميشيغن - الولايات المتحدة الأمريكية.
قدَّم اللوحة الحروفيّة عبر أكثر من معرض فردي أو جماعي داخل سوريا والعديد من دول العالم.
حصل على جائزة البركة الدولية للخطاطين المحترفين في الدورة الأولى لفن الخط العربي في إسطنبول.

